وهذا هو مثال الإنسان يأتي رفاق السوء يدفعونه نحو الهاوية فإذا جاء الواعظ صعب عليه الاستجابة إليه، ومقاومة ميول نفسه. ذلك أن المعاصي لذيذة لأنها توافق طبيعة النفس، فالإنسان يجد لذة في سماع الغِبة والمشاركة فيها، لأنه يشعر أنه خير من هذا الذي يذكرونه بالسوء وأفضل، والغش في الامتحان لذيذ لأنه يوصل إلى النجاح بلا جهد وهو ما تهواه النفس وتتمنّاه. إلا أنه لا بد من الوعظ والقيد، ولو تركنا النفس تأتي ما تريد وتنطلق في حريتها كما تشاء لصار المجتمع (مارستاناً) كبيراً، لأن الحرية المطلقة للمجانين. لذلك يجب أن تكون الموعظة"موعظة مؤثرة تفتح طريقها إلى النفس مباشرة عن طريق الوجدان وتهزّه هزّاً، وتثير كوامنه لحظة من الوقت، كالسائل الذي تُقلِّب رواسبه فتملأ كيانه ولكنها إذا تركت تترسّب من جديد. لذك لا تكفي الموعظة وحدها في التربية إذا لم يكن بجانبها القدوة والوسط الذي يسمح بتقليد القدوة ويشجع على الأسوة بها فتصبح الموعظة بذلك ذات أثر بالغ في النفس وتصبح دافعاً من أعظم الدوافع في تربية النفوس".
والقرآن الكريم حث على الموعظة من خلال الكثير من آياته الكريمة، منها: {وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ * وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ * وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ * يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ * وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ * وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ}
3 ـ التربية بالعقوبة: من الأمور التي تتدرج بها التربية الإسلامية هي العقاب. فبعد القدوة والموعظة الحسنة والصبر الطويل وعندما لا ينتج عنها أي تقدم أو تحسن كان لزاماً على المربي العلاج الحاسم وهو العقاب، والعقاب نفسه يندرج ضمن أساليب مختلفة؛ فقد يعمد المربي إلى حرمان الولد من شيء يحبه أو قد يعاقبه بوضعه في غرفة خالية دون أن يكلم أحداً، أو يحرمه من نزهة... إلخ. وعندما لا يفلح كل ذلك كان لا بدّ من الضرب غير المبرِّح تأديباً للولد وإرشاداً، والولد لا يعاقب في جميع أخطائه وهفواته السلوكية وإلاّ بات لا يخشى شيئاً والضرب لا يؤتي نتيجة معه.
والإسلام عندما يأمر المربي بعقاب الولد يضعه ضمن حدود وهي الضرب على غير الوجه، وأن يضربه ضرباً لا يؤذي، وأن لا يستعمل الضرب بشكل دائم لأن العنف والشدة دائماً قد يُشعلان قلب الطفل بالكراهية. محو مربِّيه، وهذا ما يفسِّر رفض الطلاب في المدارس لقوانين الإدارة واتهامها بالظلم لأن الإدارة حسب مفهوم التلميذ هي السلطة. أما التربية اللطيفة الحانية الرقيقة كثيراً ما تفلح في تربية الأطفال على استقامة واستواء مع الانتباه إلى أن التربية التي تزيد من الرقة واللطف والحنو تضرّ ضرراً بالغاً لأنها تُنشىء كياناً ليس له قوام.
ومن هنا كان لا بد من شيء من الحزم مع اللطف والحنو وذلك لصلح الأطفال والكبار على السواء.
والأمر في كل ذلك يرجع إلى النفس التي يتعامل معها المربي وهو مكلَّف بدراستها ومعرفة كيفية التعامل معها. فمن هذه النفوس من تكتفي بالقدوة ومنها من تكتفي بالموعظة أو الترغيب ومنها ما ينفع معها التهديد ومنها بعد ذلك من لا بد لها أن تحس بلذع العقوبة على جسمها لكي تستقيم.
4 ـ التربية بالقصة: للقصة تأثير عظيم في الأولاد والكبار على حد سواء، ومن مارس مهنة التربية لا ينكر ذلك، فالولد عند سماعه لقصة جميلة ينتبه إليها انتباهاً نادر المثال، مسحوراً بها خاصة إذا كان المربي يقوم بتمثيل القصة وإلقائها مع تغيير لهجة الصوت عند اللزوم.
والإسلام يدرك هذا الميل الفطري للقصة ويدرك ما لها من تأثير ساحر على القلوب فيستغلّها لتكون وسيلة من وسائل التربية والتقويم.