فهرس الكتاب

الصفحة 23177 من 27345

ب- الصنف الثاني: {وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلّكم تغلبون} [فصلت:26] . هؤلاء هم بهائم البشر وأغبياؤهم، وهم مقلّدة الأسياد والكبار من الطواغيت، فالطواغيت يأمرونهم: {لا تسمعوا... والغوا فيه} . وممّا يدلّ على أنّ مقام هؤلاء هو مقام المقلّدة هو قوله سبحانه وتعالى بعدها: {وقال الذين كفروا ربّنا أرِنا الَّذَيْنِ أضلاّنا من الجنّ والإنس.(نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من الأسفلين} [فصلت:29] . فالمقام مقام مقلدة بهائم مع أسياد خبثاء.

وهذا الصنف لا يفرّق بين الدر والبعر، ولا بين سقيم القول ومعجزه، فهم يردون الحق بالغناء والتصفيق والرقص والنقص، ولذلك أوصاهم أسيادهم أن يردّوا على سماع القرآن باللغو، واللغو كما قال مجاهد رحمه الله تعالى: بالمكاء والتصدية، أي بالصفير والتصفيق. قال ابن كثير رحمه الله تعالى:"هذا حال الجهلة من الكفّار، ومن سلك مسلكهم عند سماع القرآن".

فهذا الصنف يجابهون هدى القرآن وأثره على قلوبهم بالتشغيب والصراخ وإثارة الحواس البهيميّة بالطرب والغناء المحرّم، وربمّا زادوا عُتوًا وكفرًا بأن يقرؤوا القرآن نفسه بألحان أهل المجون والتغبير، وربّما غنّوه بآلات اللهو المحرّم لتسقط من القلوب عظمة المتلوّ وتصغر في نفوس السامعين. ومما يدخل في هذا الصنف كذلك هو تلاوة القرآن في المحلّ الذي يقال فيه الكفر أو تصدر منه المعصية، وأمثل دليل على هذا هو ما تصنعه الإذاعات اللعينة من افتتاح برامجها بالقرآن الكريم، ثمّ ما هي إلا لحظات حتّى يبدأ وحش المعصية يهجم على الآذان والأعين، والناس في هذا المقام لا يرون في القرآن العظيم إلا برنامجًا يعادل ما يبث بعده، ولا يقع في قلوبهم شيء من عظمته وعزّته وكماله، فهم لا يفرّقون بين أن يضعوا شريطًا للغناء الخبيث أو يضعوا شريطًا للقرآن يتلوه مطرب لهم يميلهم كما تميلهم النشوة المحرّمة، وهذا كلّه لتسقط حرمة القرآن من قلوب الناس فلا يتّعظون بمواعظه ولا يقفون عند حرامه وحلاله، ولا يهتدون بهدايته، بل كلّ شأنهم معه هو شأن استماعهم لأيّ كلامٍ مطربٍ جميل، وقد حدّثني بعض الإخوة أنّه يعلم ناسًا إذا أخذوا في شرب وتدخين الحشيشة وضعوا للسماع بعض أصوات القارئين المشهورين ليأخذهم الطرب والنشوة، بل إنّ بعض القارئين أنفسهم لا يتورّع أن يتعاطى الحشيش قبل قراءته ليزداد إطرابه لسامعيه، فحسبنا الله ونعم الوكيل. وهذه اللذة التي تحصل في قلوبهم ليست هي تلك اللذة الحاصلة لأهل الإيمان حين يسمعوا له فتخبت له قلوبهم ثمّ تلين قلوبهم وجلودهم لذكره، خشية مما فيه، ويزدادون قربًا من مولاهم جلّ في علاه.

إذًا هذا الصنف يُمنعون من استماع التدبّر والاتّعاظ والعبرة والفهم والذي يؤدّي إلى الانقياد لأوامره والابتعاد عن نواهيه لأنّهم يلغون فيه.

ج- الصنف الثالث: {إنّ الذين يلحدوهن في آياتنا لا يخفون علينا أفمن يُلقى في النار خير أمّن يأتي آمنًا يوم القيامة إعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير* إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم وإنّه لكتاب عزيز} [فصلت:40-41] .

وهذا صنف آخر من أعداء الذكر الربّاني العظيم، هم أشدّ وأعتى، اطمأنّت نفوسهم على ما في قلوبهم من كفرٍ عاتٍ متجذّر، وعلموا أن هذا الكفر صار مختلطًا بمشاشات القلوب، فلن يُنتزع منهم حتّى لو حاول أولوا العزم والقوّة، فالكفر ثابت في قلوبهم ثباتًا لا يخاف عليه من سماع القرآن ولا من الجلوس مع تاليه وقارئه.

هذا الصنف يملك عقلًا إبليسيًّا خبيثًا، قرّر بكلّ صرامة أن يحاور القرآن حتّى يحمله على غير محمله، فهو سيلحد فيه، والإلحاد هو الإمالة، أي إنّه امرؤٌ يتستّر بظاهر جميل، وله باطن خبيث، ولذلك ذكر الربّ جلّ في علاه أمر علمه بهذا الصنف، وهذا يدلّ على تخفّيه وتستّره فقال سبحانه: {لا يخفون علينا} . وهذا الصنف -والله أعلم- هم الزنادقة، وهم قوم زعموا في الظاهر أنّهم يريدون أن يعرفوا ماذا يقول الله في هذا الكتاب، وقالوا: هلمّ لنسمع له ونرى ما فيه وأي شيء يقول، وبطريقة خبيثة مكينة أخذوا في ضرب آياته بعضها ببعض، فيردّون المحكم فيه بالمتشابه فيه، وهم يقولون: نحن لسنا كأولئك -من تقدّم وصفهم بأنّهم لا يسمعونه- بل نحن سمعناه وفهمناه وجلسنا نحاوره فهذا هو الذي خرج معنا، ولذلك أرسلهم الله تعالى، ومدّ لهم في طغيانهم بقوله جلّ سبحانه: {إعملوا ما شئتم} ، ولم يجبهم على صنيعهم إلا بقوله: {أفمن يُلقى في النار خير أم من يأتي يوم القيامة..} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت