ولا تحسن القراءة وتثمر إلا إذا كانت وقت نشاط الذهن وتوقده، وخلو البال من الأشغال، وصفاء الجو من المكدرات والمزعجات، فيحتاج القارئ مكانًا هادئًا يداوم على القراءة فيه، مع أن المرء ينبغي له أن يبذل جهده في التكيف والانغماس في القراءة قدر الإمكان، وحبذا لو كانت المعاجم والمراجع في متناول يده حتى لا يضطر لقطع قراءته عندما يحتاج أن يستفتي المعاجم في معنى لفظة غامضة، أو مدلول كلمة موهمة .
وليست العبرة في كثرة المقروء، وإنما في الإنتاجية والثمرة المجنية من القراءة والاطلاع، فيظهر ذلك على أخلاق المرء وتصرفاته وعلى لغته وعباراته التي تصور مستواه وتحجِّم ثقافته، ومن عمل بما اكتسبه كان ذلك أدعى لبقائه وتثبيته في الذهن وحفظه من الضياع، يقول الله -سبحانه وتعالى-: ]ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرًا لهم وأشد تثبيتا [[النساء:66] ومن عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم، يقول الله - جل جلاله-: ]والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم [[محمد:17] ، يقول أبو الفداء ابن كثير - رحمه الله-: أي والذين قصدوا الهداية وفقهم الله لها فهداهم إليها، وثبتهم عليها، وزادهم منها ]وآتاهم تقواهم[ أي ألهمهم رشدهم.
وفي الأمثال الإنجليزية (use it or lose it) أي استخدم وإلا فقدت، وهذا ينسحب على كل المهارات المكتسبة .
والذي يقرأ كتابًا ينبغي له أن يصطحب قلمًا يصطاد فيه أوابد الكتاب ويقيدها حتى يراجعها متى احتاج إليها، ويوظفها عند كتابة موضوع أو مقال أو كتاب .
ومن أراد أن يقيِّم كتابًا قبل قراءته فليقرأ مقدمة المؤلف حيث يستطيع الحكم على أسلوب الكاتب وجودة عباراته وبلاغة تعبيراته، وعما إذا كان الكتاب سبقًا في بابه أو ردًا على مخالف أو إضافة مبحث جديد، أو شرح قضية معينة أو مساهمة في علاج قضية في الساحة الثقافية .
وليقرأ فهرس موضوعات الكتاب، فيتبين المخطط الكلي للكتاب ويعرف مدى وحدته الموضوعية وشموليته وإحاطته بالمادة .
وليطلع على مراجع الكتاب ومصادره التي اعتمدها المؤلف في تشييد كتابه فيكتشف من خلالها خلفية المؤلف الثقافية والفكرية التي تشكل ميوله المعرفية، ومن المعلوم أن كثرة القراءة واستمرارها تولد عند القارئ ملكة قوية يستطيع من خلالها معرفة الكتاب النافع المفيد له، بالإضافة إلى الانطلاق في القراءة، وسرعة الإنجاز .
ولابد للقارئ أن يوسع قراءته، فلا تكون قراءته انتقائية محصورة في حقل معرفي محدد، بل واسعة شمولية حتى يتحرر فكره من القيود المذهبية والحزبية والإقليمية فلا يظل مربوطًا بشيء يلجم انطلاقته، مع وعي بالمعرفة التي يحتاجها المسلم اليوم ليعيش بكفاءة وفاعلية ويستطيع مواجهة التحديات القائمة .
إن المكتبات تزخر بالكتب الكثيرة المتنوعة، فمن أمهات الكتب والمراجع العامة والموسوعات والمعاجم والمتون والشروح المتفاوتة في حجمها، والكتب المتخصصة والكتب الفكرية والثقافية والدواوين الشعرية والروايات العالمية وغيرها .
فمنها ما يناسب القارئ المبتدئ ، ومنها ما يناسب القارئ المتوسط، ومنها ما يناسب القارئ المجيد المتمكن، ومن هذه الكتب ما يقرأ مرةً واحدة، ومنها ما ينبغي تكرار قراءته، ومنها ما يرجع له عند الحاجة، ومنها ما يقرأ بسرعة، ومنها ما يقرأ ببطء وتأمل وتفهم، ومنها ما يقرأ للمتعة والتسلية، ومنها ما يقرأ للتعلم وصناعة الفكر والثقافة، ومنها ما تنتهي صلاحيته بعد أول قراءة، ومنها ما يزيدك تثقيفًا وفائدة كلما أعدت النظر فيه، وهذا نادر جدًا، ومنها ما يشعرك بالفائدة تلقائيًا، ومنها ما تشعر بفائدته فيما بعد، فقيمة كل كتاب بما يحوي .
كثير من الناس يقرؤون، ولكن بطريقة عقيمة، أما الذين يقرؤون بطريقة جيدة فهم الذين استطاعوا توظيف ما قرؤوه في كتاباتهم وحياتهم، ولم يقرؤوا بطريقة التلقي وتهميش العقل، بل بقراءة الناقد المميز الذي يوظف عقله فيناقش في كل دقيقة وجليلة، لا توافق العقل ما لم تكن من النقل الثابت عن المعصوم- صلى الله عليه وسلم-، وما ثبت في الشريعة الغراء فإنه لا يعارض العقل لمن تأمل، وفي قراءة الناقد دربة أي دربة .
ولا ينبغي للقارئ أن يتنكر لطبيعته وميوله الفطرية، وليستقل بشخصيته بعيدًا عن التأثر السريع بالآخرين .
وليطمئن كل قارئ أنه سينال فقهًا أكثر ونضجًا أكبر كلما استزاد من القراءة وأكثر من الاطلاع .
وليكن من وكد القارئ وهمِّه أن يضع تقييمًا دقيقًا لكل كتاب يقرؤه في آخر صفحة من الكتاب، مع كتابة وقت انتهائه منه .