فهرس الكتاب

الصفحة 22036 من 27345

قال ابن المبارك:"من ختم نهاره بذكر كتب نهاره كله ذكرًا ، يشير إلى أن الأعمال بالخواتيم ، فإذا كان البداءة والختام ذكرًا ، فهو أولى أن يكون حكم الذكر شاملًا للجميع" [ فيض القدير 1/41 ] .

وفي مسند الإمام أحمد: ( .. و الصوم نصف الصبر ) . وفي شعب الإيمان للبيهقي قال عليه الصلاة والسلام: ( الصبر نصف الإيمان و اليقين الإيمان كله ) .

فالبدء بهذه المعاني في أول العام ، والانتهاء بها في العام السابق لتحقيق هذه المعاني الإيمانية التربوية في واقع الأمة وفي كل نفس تطمح للتحول .

نحن أولى .. نحن أولى

لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وجد اليهود يصومون عاشوراء فسئلوا عن ذلك فقالوا هذا اليوم الذي أظفر الله فيه موسى وبني إسرائيل على فرعون ونحن نصومه تعظيما له ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( نحن أولى بموسى منكم ثم أمر بصومه ) البخاري ..

إن حالة الطغيان السياسي التي تمثلها قصة نبي الله موسى عليه السلام في مواجهة"فرعون"، قصة تتكرر اليوم بشكل كبير في واقع الأمة ، ربما كل المعاني التي جاء كل رسول يعالجها في قومه تتوفر اليوم بنسب مختلفة ، لكن التغول السياسي هو الأوضح للعيان ، وهو الذي يخيم على الأمة اليوم ، وما يتبعه من حالة الضعف لدى الغالبية ، وبالتعبير القرآني حالة:"الاستخفاف"أو حالة الاستضعاف ، طغيان يولد استضعافا ، تلك هي المعادلة ، وهل كانت بنو إسرائيل قبل موسى إلا في هذه الحالة ! وتفطن لهذا المعنى الأستاذ سيد قطب رحمه الله عندما أشار إلى الحكمة من تكرار قصة موسى على النحو في القرآن بصورة لم تتكرر بها قصة أي نبي مثلها ، وقال رحمه الله بأن الله يعلم بأن هذه الأمة ستمر بمراحل كتلك التي مرت بها بنو إسرائيل ، وصدق يرحمه ربنا .

وإذا كانت الهجرة لها أهداف واضحة جلية ، تتمثل في ثلاثة محاور هامة هي:

* تخليص المؤمنين من حالة العوَز وقلة الأمن .. العوز الفكري والإيماني والعلمي والحركي ، والأمن النفسي والمالي والاجتماعي وغيرها .

* والهجرة بمعناها الشامل حركة تجديد مستمر ؛ لأنها ترتبط برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو القدوة ، ومنه نقيس قربنا وبعدنا .

* والهجرة مطلب قوي لتماسك الجبهة الداخلية في الأمة ؛ لما فيها من حالة المراجعات والمحاسبة والتدقيق .

إذا فهمنا هذا ، وعلمنا قصة الطغيان والاستضعاف ، أدركنا حاجتنا أهمية أن يكون لنا مع الهجرة وقفات طويلة ، كلٌ لوحده ، وكل مؤسسة بذاتها ، حتى نصل إلى كل الأمة .

وإذا فقهنا حكمة الهجرة ومراميها ، علينا أن نرتقي إلى عميق فهمها ، ونتأمل ـ كمهاجرين ! ـ في تحقيق هذه الأهداف فينا أولًا ، هل ثمة تخلص مع حالات العوز الفكري والنفسي وغيرها ، أم ربما حدث التراجع !! ، هل ثمة تغير حدث عندما ندرك البعد التجديدي في الهجرة ؟ أم أن ثمة تخلف لف بعضنا ، هل حدث التماسك القوي الداخلي ، من خلال صدق النفوس ومحاسبتها ، أم زادت الشقة ، وظهرت النعرات ، ولمست ثوابت وطننا المسلم ! الغيور .

وفي صحيح مسلم أن المستورد القرشي قال عند عمرو بن العاص: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: تقوم الساعة والرّوم أكثر الناس . فقال له عمرو: أبصر ما تقول ؟ قال: أقول ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال: لئن قلت ذلك إن فيهم لخصالًا أربعا:

* إنهم لأحلم الناس عند فتنة

* وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة

* وأوشكهم كرة بعد فرة

* وخيرهم لمسكين ويتيم وضعيف

* وخامسة حسنة جميلة وأمنعهم من ظلم الملوك .

هذا الحديث الصحيح حجة على كل من يعيش في المهجر ،"الحلم ، سرعة النهوض ، الإيجابية ، الإحسان للضعيف ، ومنع الظلم"هذه صفات قد يلمسها المهاجر بنسب ، فهل تأمل واعتبر وفقه واستفاد ، أم برزت السلبيات في القوم ، وغطت على ما ذكره داهية العرب عمرو بن العاص ، لتزيد هذه التغطية على حالة الاستخفاف والطغيان عندنا !

النبي عليه الصلاة والسلام صام عاشوراء لأن الله أنقذ فيه أمة من الطغيان ، وأنقذ فيه أمة من الاستضعاف ، وقال قولا واضحا لليهود في وقته: ( أولى بموسى منكم ) ، لتمسي هذه العبارة جزء من منهجية المسلم في جمع كل خير متناثر في أمة من الأمم ، مرددا خلف النبي المصطفى عليه الصلاة والسلام ( أولى بذلك منكم ) ، ويزيد المسلم وعيه بفقه داهية العرب عمرو بن العاص ، الذي تفطن للعناصر التي جعلت من الروم شأنا ؛ الحلم ، الإيجابية ، المسارعة ، الرحمة الاجتماعية ، والحسنة الجميلة ( أمنعهم من ظلم الملوك ) . ألسنا أولى بذلك منهم ؟ ونحن أمة المصطفى ، وأمة الرسالة الخاتمة !!

يقف المسلم - الذي يريد الاعتبار بالهجرة - أمام هذه المعاني مع نفسه ، ويرتب لها سُلمًا للوصول إلى ما يريد ، بصدق ويقين وإرادة صادقة قوية .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت