?إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ? (التوبة: 120. الكتابة بقلم القدر الذي جف ورفع، وطويت الصحف التي كتب فيها، تعطي المؤمن عزة وقوة وطمأنينة إلى جنب الله: ?قُل لَّن يُّصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ?(التوبة: 51) ، والملاحظ لنا هنا ولهم هناك؛ فكله لنا وليس علينا، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، فتتلقي الأحداث كلها على أنها من رب العزة القوي القادر العليم اللطيف الخبير؛ فتطمأن إلى أن الخلق كلهم أدوات، وأنك تستر القدرة، وتأخذ الأجرة.
ومن زواية ثانية أنك لا تهرب من تكليفٍ؛ خشية أن يصيبك مكروه، فلو أن الله يعلم أن في هذا ضررك ما كلفك به، وهو يحبك وأنت تحبه: ?فَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا? (النساء: 19
واعلم أنه لا يغني حذرٌ من قدر؛ بل إن الأصل في الحذر ليس القعود، ولكن أخذ الحيطة قبل التنفيذ والجد والعزم على المسارعة في الخير جمعت في كلمتين: ?خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا? (النساء: 71
العمود الأخير:
?أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ? (التوبة: 121. تأمل يا أخي هدانا الله وإياك هذه الجملة الموجزة.. ما دام الجزاء سيكون من الكريم على مستوى أحسن أعمالك؛ ألا يدفع هذا المؤمن الكيس الفطن على أن يجيد ويتقن ولو في بعض المرات؛ لكي يحاسب على هذا المستوى العالي؟ وهذه الفئة والشريحة الحسابية.. كلما حققت مستوى أفضل وأداء أكمل من أي عمل صالح، سجلت رقما قياسيًّا في أعمالك.. سيحاسبك الكريم يوم القيامة على كل أعمالك بمستوى هذه القمة التي بلغتها ولو مرة: ?وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ?(المطففين: 26) ، وصدق الرسول- صلي الله عليه وسلم- الذي يدل أمته على الخير:"إذا سألتم الله فسلوه الفردوس الأعلى".
حديث"يحيى بن زكريا"عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام
روى الإمام"أحمد"في مسنده أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال:
"إنَّ الله أمَرَ"يحيى بن زكريا"- عليهما السلام- بخمس كلمات أن يعمل بهنَّ، ويأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن، وإنه كاد أن يبطئ بها، فقال له عيسى- عليه السلام-: إنك قد أمرت بخمس كلمات أن تعمل بهن، وتأمر بني إسرائيل أن يعلموا بهن، فإما أن تبلغهن، وإما أن أبلغهن، فقال: يا أخي، أخشى إن سبقتني أن أعذَّب أو يُخسف بي، قال: فجمع"يحيى بن زكريا"بني إسرائيل في بيت المقدس حتى امتلأ المسجد، فقعد على الشرف، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: إن الله أمرني بخمس كلمات أن أعمل بهن، وآمركم أن تعملوا بهن، أولهن: أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، فإن مَثَل ذلك كمَثَل رجلٍ اشترى عبدًا من خالص ماله بوَرِقٍ أو ذَهَبٍ، فجعل يعمل ويؤدي إلى غير سيده، فأيكم يسرُّه أن يكون عبده كذلك؟"
وإن الله خلقكم ورزقكم فاعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وآمركم بالصلاة، فإن الله ينصبُ وجهه لوجه عبده ما لم يلتفت، فإذا صليتم فلا تلتفتوا، وآمركم بالصيام، فإن مَثَل ذلك كمَثَلَ رجلٍ معه صُرَّة فيها مِسك في عصابةٍ كلهم يجدُ ريحَ المِسك، وإنَّ خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، وآمركم بالصدقة فإن مَثَلَ ذلك كمَثَلِ رجل أسَرَه العدو، فشدوا يديه إلى عنقه وقدموه ليضربوا عنقه، وقال لهم: هل لكم أن أفدي نفسي منكم، فجعل يفدي نفسه منه بالقليل والكثير حتى فكَّ نفسه، وآمركم بذكر الله، وإنَّ مَثَلَ ذلك كمَثَلَ رجلٍ طلبه العدو سراعًا في أثره، فأتى حصنًا فتحصَّن فيه، وإن العبد أحصن ما يكون من الشيطان إذا كان في ذكر الله"."
قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-:"وأنا آمُركُم بخمسٍ أمَرَني الله بهنَّ: الجماعة، والسمع والطاعة، والجهاد في سبيل الله، والهجرة، فإن مَن خَرج عن الجماعة قيدَ شِبرٍ فقد خَلَع رَبقةَ الإسلام مِن عُنُقه إلا أن يُراجَع، ومَن دعا بدعوى الجاهلية، فإنه من جثي جهنم"، قالوا: يا رسول الله، وإن صامَ وصلَّي، فقال:"وإن صامَ وصلَّى، وزعم أنه مسلم، فادعوا المسلمين بأسمائهم على ما سمَّاهم الله- عزَّ وجلَّ- المسلمين المؤمنين عباد الله" (رواه الإمام أحمد، وهو حديثٌ حسنٌ، وجاء في تفسير القرآن العظيم للإمام ابن كثير: 1/56) .