فهرس الكتاب

الصفحة 17415 من 27345

ومن هنا: فإن أهل الباطل لا يجدون غضاضة ولا صعوبة في أن يعترفوا بشيء من الحق، ويتفاوضوا مع أهله إذا كان في ذلك قضاء على الحق وأهله ولو بعد حين.

أما أهل الحق فموقفهم مختلف تمامًا، إنهم لا ينطلقون من مصالح معينة، إن لهم منهجًا ثابتًا محددًا أنزله الله إليهم، وأمرهم باتباعه، وحذرهم من مخالفته، وقضيتهم في جوهرها إنما هي استمساك بهذا المنهج الثابت، ومحافظة عليه، والذب عنه حتى الموت.

ومن هنا: فإنهم ليس لهم من الأمر شيء، ولا يملكون أن يتنازلوا عن شيء من هذا المنهج لأي هدف كان، إذ أن منهجهم هو قضيتهم، ومصلحتهم في العض عليه بالنواجذ، وتحقيق أي هدف في الحياة الدنيا- ولو بدا ساميًا عند البعض- لا يجوز أن يتم بالتنازل عن شيء من المنهج.

وتدبروا في موقف أهل الباطل من التنازلات: وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ [9] } [سورة القلم] . إن لديهم الاستعداد للمداهنة، ولا مانع لديهم من التنازلات عن شيء من باطلهم في مقابل تنازل أهل الحق عن شيء من حقهم، يقول ابن كثير في تفسير سورة الكافرون: 'قيل إنهم-أي كفار قريش- من جهلهم دعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عبادة أوثانهم سنة، ويعبدون معبوده سنة، فأنزل الله هذه السورة فأمر رسوله صلى الله عليه وسلم فيها أن يتبرأ من دينهم بالكلية فقال: لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ [2] } [سورة الكافرون] '.

إنه لا فرق البتة بين أن يعبد المشركون آلهتهم أبد الدهر، أو يعبدوها سنة، ويعبدوا الله سنة بعدها، كله باطل، وما يضير المشركين أن يقدموا مثل هذا التنازل، وهم بذلك يكسبون الاعتراف الصريح من أهل الحق بشرعية ما عليه أهل الباطل.

ولكنه فرق أبعد مما بين السماء والأرض، بين أن يعبد المسلمون الله كل عام، أو يعبدوه عامًا، ويعبدون آلهة المشركين عامًا بعده، إن الصورة الأولى هي الحق، والثانية باطل من جملة الباطل وشتان بين الحق والباطل.

وماذا يكسب المسلمون من مثل هذا التنازل؟ اعتراف أهل الباطل بحق أهل الحق في الوجود؟! وماذا يعني لو تم ذلك؟ هل حققنا قضيتنا؟ وكيف نحقق الكفر بالطاغوت وهو قرين الإيمان بالله ونحن نقدم مثل هذه التنازلات؟!

وثبت الله رسوله أمام هذا الكيد الجديد: وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا [74] } [سورة الإسراء] وعلّمنا الموقف الذي نقفه من هذا الكيد، وحذرنا من المداهنة في دين الله، بل جعل من أصول ديننا معاداة الكافرين، وبغضهم والبراءة منهم، حتى يقطع كل سبيل إلى الجلوس معهم لتقريب وجهات النظر !!

8-المواجهة المسلحة:

ولما رد الله الذين كفروا بغيظهم في كل مناسبة، ورعى دعوته حتى شبَّت وقوي عودها، وأحسّ المشركون بخطر الدعوة على وجودهم، كانت المواجهات المسلحة-ولابد أن تكون- فكانت بدر، ثم أحد والخندق، وغيرها من السرايا والغزوات، ثم كان يوم الفتح الأكبر، فتح مكة. وصدق الله وعده للمؤمنين وهم بمكة يعذبون، أو وهم في الحبشة يطاردون، أنه ناصرهم على الكافرين.

هذه أبرز صور العداء التي واجهتها الدعوة الأولى، ولا يملك المسلم الذي يعيش في هذا العصر وهو يراجع تلك الصور إلا أن يتساءل: أَتَوَاصَوْا بِهِ... [53] } [سورة الذاريات] .. إن المحاولات هي ذاتها- وإن أصبحت في كثير من الأحيان أعنف وأشد خطرًا على الدعوة، لازدياد كيد العدو من جهة، ولضعف إيمان المسلمين من جهة أخرى-.

من مقالة:'صور من عداء المشركين للدعوة' للشيخ/معن عبد القادر

من: [ مجلة البيان عدد 23 - جمادى الأولى 1410 ه- 1989 م] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت