فهرس الكتاب

الصفحة 18457 من 27345

أما وضع أمريكا الإقتصادي فهو من أقوى العوامل التي يعتمد عليها تود في توقعه اضمحلالها ، ويسوق لذلك عددا من المؤشرات الدالة على الضعف والوهن . من ذلك العجز الكبير في الميزانية وفي حجم التبادل التجاري . إذ أن أمريكا قد فتحت الباب دون قيود لاستيراد البضائع من أوربا واليابان عملا بسياسة السوق الحرة ، وقد أدى ذلك للإضرار بالصناعة المحلية وتحولت أمريكا تدريجيا من منتج إلى مستهلك نهم لا يشبع ، وقد كان نصيبها من الناتج العالمي بعيد الحرب العالمية الثانية 40% وقد صار الآن 22% تقريبا , وهو رقم يساوي ناتج الاتحاد الأوربي ولا يمنح الولايات المتحدة تفوقا كبيرا . واختل أيضا الميزان التجاري لصالح الدول المصدرة لأمريكا ، حتى أضحى العجز فيه في الفترة بين 1991 2001 من خمسين بليون دولار الي 450 بليونا . ومن أجل تغطية هذا العجز في الميزانية وفي التبادل التجاري صارت أمريكا حسب ما يصفها تود بالوعة تمتص الأموال من أوربا واليابان دون أن تستطيع تقديم منتوج بديل فقد زادت الأموال المتدفقة إلى أمريكا من 88 بليون دولار في سنة 1990 إلى 865 بليون في سنة 2001 . وهكذا أضحت البلاد غير قادرة على تغطية نفقات استهلاكها ومعيشتها العالية ، وفي أمس الحاجة للعالم الخارجي ، وعاد الهدف الرئيسى لسياستها الخارجية بسط هيمنتها على العالم من أجل السيطرة على الموارد العالمية وخاصة البترول . وبجانب هذه المشكلات فإن المجتمع الأمريكى تتجسد فيه سوءات النظام الرأسمالي المتمثلة في الفوارق الطبقية وازدياد الفجوة بين الأغنياء والفقراء .

وستكون النتيجة النهائية لهذا الضعف الاقتصادي زعزعة مكانة الدولار كإحتياطي للنقد العالمي وانهيار سوق الأوراق المالية انهيارا أسوأ بكثير مما شهده العالم في أي وقت سايق وقد يؤدي ذلك إلى تعويم قيمة الدولار مما سيكون عاقبته أن تقصم القشة ظهر البعير .

أما في الجانب الثقافي فيرى تود أن أمريكا فقدت مبادئها التى أسهمت في نهضتها من ديمقراطية وحرية ، وأصبح مجتمعها مفلسها من الناحية الخلقية تسوده عدم المساواة الاقتصادية والعنف والعنصرية العرقية . ولقد أصبحت الطبقة الرأسمالية الغنية والنخبة من المثقفين هي التى تقبض على زمام الحكم ، وتلاشى دور الطبقة الوسطى من المجتمع ، وتراجعت الديمقراطية الشعبية وتحولت إلى فئوية وطغمة من الأقلية ، ورويدا ورويدا أخذ طابع الاستبداد يغلب عليها ومن أمثلة ذلك مصادرة الحريات العامة بحجة المحافظة على الأمن القومي .

هذا الضعف الذي أصاب أمريكا جعلها تنهج سياسة تثير القلق في تعاملها مع العالم ، فقد كانت أمريكا الأب العالمي الذي يرعى الحريات ولكنها في نظر تود قد أضحت الآن المخرب العالمي الذي يضع العقبات أمام السلام العالمي . ويتساءل تود متعجبا أن أمريكا مثلا باستطاعتها حل مشكلة الصراع العربي الإسرائيلى ولكنها من الواضح لا تريد للمنطقة أن تستقر . ويصف تود سياسة الولايات المتحدة الخارجية بأنها سياسة الرجل المجنون ، لأن أمريكا في حقيقة الأمر تمتلئا رعبا من أن يتخلى عنها العالم وهي في أشد الحاجة إليه حتى لتوفير لقمة العيش لشعبها . ويقول ("ان الخوف من ان تصبح الولايات المتحدة غير ذات فائدة، والخوف من العزلة التي تنتج عن هذا الوضع، هما بالنسبة الى الولايات المتحدة اكثر من ظاهرة جديدة. انهما انقلاب حقيقي لمركزها التاريخي) ."

ويتحدث تود عن بعض التصرفات التي تفسر هذه النفسية الخائفة من أن يفلت العالم من بين يديها . فمن ذلك أن أمريكا يخدم أهدافها أن تشتعل مناطف كثيرة في العالم ولا تسعى لإطفاء حريقها حتى يشعر العالم دوما بحاجته إلى تدخلها العسكري الذي يتيح لها بسط نفودها وتقوية هيمنتها . وفي نفس السياق يقول تود أن المبالغة في تضخيم خطر الإرهاب ما هو إلا أسطورة الغرض منها تسويغ الهيمنة وحشد الأعوان للوقوف بجانب أمريكا حفاظا على الأمن العالمي الموهوم . ومن أجل إظهار القوة وترويع العالم تقوم أمريكا بحروب ضد الضعفاء الذين لا حول لهم ولا قوة بحجج واهية مثل حرب أفغانستان والعراق ، حروب القصد منها الدعاية وإخفاء الضعف الأمريكي الذي بدا العالم يكتشفه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت