فالمسلمون وهم في حالة الضعف، وغيابالدولة، وتفرق الكلمة، وقلة العدد،وفقد السلاح، ليس بمقدورهم قتالالمشركين، ولا يكلف الله نفسًا إلاما آتاها.
ومن أمثلة عدم التكليف بما لا يطاق فيالجهاد:
1ـ أن الشرع أوجب المصابرة على الواحدمقابل الاثنين، وهم يوجبون مصابرةالواحد مقابل الألف ـ وهم في حالةالهجوم والمبادأة ـ وهذا يتنافى معسماحة الشريعة وسهولة التكليف.
2ـ أن الشرع أوجب الهجرة علىالمستضعفين الذين لا يستطيعون تطبيقدينهم في حالة الضعف، وجعلها ـ أيالهجرة ـ مستحبة في حال الاستضعاف معالتمكن من إقامة الدين.
[ راجع في ذلك: الفتاوى ( 18 / 281 ) و ( 28 /240 ) والمغني ( 9 / 236 و 237 ) ] .
فلو كان القتال واجبًا وجوبًا مطردًافي كل المراحل والحالات والأزمنةوالأمكنة، لأوجب على المستضعفينالقتال أو استحبه لا الهجرة.
وبذلك أفتى شيخ الإسلام أهل ماردين ـوهي أقرب البلدان في القديم لواقعناـ فقال:
"المقيم بها إن كانعاجزًا عن إقامة دينه وجبت عليهالهجرة، وإلا استحبت ولم تجب". [الفتاوى 28 / 240 ] .
وهذا هدي النبي صلى الله عليه وسلموأصحابه في مكة، فقد كانوا مستضعفينفيها، وكان الكفار يظلمونهمويؤذونهم ويعاقبونهم على الإيمانبالله ورسوله، فهاجر منهم طائفة مثلعثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف،والزبير بن العوام، وعبد الله بنمسعود، وجعفر بن أبي طالب وغيرهم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
"كان رسول الله صلىالله عليه وسلم في أول الأمر مأمورًاأن يجاهد الكفار بلسانه لا بيده،فيدعوهم ويعظهم ويجادلهم بالتي هيأحسن."
وكان مأمورًا بالكف عن قتالهم لعجزهوعجز المسلمين عن ذلك.
ثم لما هاجر إلى المدينة وصار له بهاأعوان، أُذن له في الجهاد، ثم لماقووا كتب عليهم القتال، ولم يكتبعليهم قتال من سالمهم، لأنهم لميكونوا يطيقون قتال جميع الكفار". [الجواب الصحيح 1 / 74 ] ."
إلا أن هؤلاء يمنعون من التعليموالتربية، والدعوة إلى الله ـ وهو منجهاد اللسان ـ لأنهم يعتبرون أن آيةالسيف نسخت كل مرحلة فليس ثمَّ إلاَّالجهاد.
والجواب:
أن آية السيف نسخت كل مرحلة عندما وصلرسول الله صلى الله عليه وسلم إلىمرحلة قيام الدولة حيث أصبح للمسلمينجيش وكيان مستقل، وأصبحوا في عزةومنعة، عندها أمرهم الله عز وجل ـ وهمفي هذه الحالة ـ أن لا يكتفوا بالجهادالدفاعي الذي هو صد العدوان لقولهتعالى: (( فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثلما اعتدى عليكم ) )ـ الذي كان فيالمرحلة الوسط بين المرحلة الأولىوهي كف الأيدي، وبين المرحلة الأخيرةوهي قتال المشركين كافة دون استثناءـ.
أما وبعد أن عاد المسلمون إلى الضعفثانيةً، وليس لهم دولة ولا جيش، وعادالدين غريبًا، فلا شك أن الواجبعليهم كف الأيدي وإقامة الصلاةوالاستمرار بالدعوة والتربية لإيجادالقاعدة العريضة التي تتبنى الإسلاموتلتزم به وتدعوا إليه، وذلك لأمور:
أولًا: أنّ حكم الشيء حكم مثله،فالحكم على المرحلة حكم مثلها منالمراحل التي مرَّ بها رسول الله صلىالله عليه وسلم، وإلا يلزم من ذلكالتفريق بين المتماثلات والجمع بينالمختلفات .
ثانيًا: أنه لا تكليف إلا بمقدورعليه، فإذا كان الرسول صلى الله عليهوسلم مأمورًا بالكف عن القتال لعجزهوعجز المسلمين في تلك المرحلة، وجبأن يكون العجز علة للحكم، يوجد الحكمحيث يوجد العجز وينتفي بانتفائه كماتقرر في الأصول: أن الحكم يدور مععلته وجودًا وعدمًا، فيوجد الحكم حيثتوجد العلة وينتفي الحكم حيث تنتفيالعلة.
لا بد من مراعاة قاعدة
تحقيق المصالح ودرء المفاسد في جهاد البدء
لقد فرّق الفقهاء بين جهادالدفع وجهاد البدء والطلب، فأوجبواالجهاد على كل من حضر إذا غُزي قوم فيعقر دارهم، بل يتعداهم إلى الدولالمجاورة إذا لم يكف أهل البلد، ولايوازن فيها بين المصالح والمفاسد، إذأن المفسدة في عدم الدفع متحققة،والمصلحة في الدفع خالصة.
وأما في جهاد البدء والطلب، فينبغيالموازنة بين المصالح وتحقيقها،والمفاسد ودرئها . وفي ذلك يقول شيخالإسلام:
"فحيث كانت مفسدةالأمر والنهي أعظم من مصلحته، لم يكنمما أمر الله به، وإن كان قد تُركواجب وفُعِلَ محرم، إذ المؤمن عليهأن يتقي الله في عباد الله وليس عليههداهم". [ الفتاوى العراقية 257 ] .