وقال:"من يريد أنيأمر وينهى، إما بلسانه وإما بيدهمطلقًا من غير فقه ولا حلم ولا صبرولا نظر فيما يصلح من ذلك وما لايصلح، وما يقدر عليه وما لا يقدرعليه، فيأتي بالأمر والنهي معتقدًاأنه مطيع في ذلك لله ولرسوله، وهومعتد في حدوده، كما نصّب كثير من أهلالبدع والأهواء نفسه للأمر والنهي،كالخوارج والمعتزلة وغيرهم ممن غلطفيما آتاه الله من الأمر والنهيوالجهاد وغير ذلك. وكان فساده أعظم منصلاحه . ثم قال: وجماع ذلك داخل فيالقاعدة العامة فيما إذا تعارضتالمصالح والمفاسد والحسناتوالسيئات، أو تزاحمت، فإنه يجب ترجيحالراجح منها فيما إذا ازدحمت المصالحوالمفاسد، وتعارضت المصالحوالمفاسد، فإن الأمر والنهي وإن كانمتضمنًا تحصيل مصلحة ودفع مفسدة،فينظر في المعارض له، فإن كان الذييفوت من المصالح أو يحصل من المفاسدأكثر لم يكن مأمورًا به، بل يكونمحرمًا إذا كانت مفسدته أكثر منمصلحته". [ الفتاوى العراقية 259ـ 261 ] .
ويقول الإمام ابن القيم رحمه الله:
"النبي صلى الله عليهوسلم شرع لأمته إيجاب إنكار المنكرليحصل ـ بإنكاره ـ من المعروف ما يحبهالله ورسوله، فإذا كان إنكار المنكريستلزم ما هو أنكر منه وأبغض إلى اللهورسوله فإنه لا يسوغ إنكاره، وإن كانالله يبغضه ويمقت أهله، وهذاكالإنكار على الملوك والولاةبالخروج عليهم، فأنه أساس كل شروفتنة إلى آخر الدهر". ثم قال:
"ومن تأمل ما جرى علىالإسلام في الفتن الكبار والصغاررآها من إضاعة هذا الأصل وعدم الصبرعلى المنكر، فطلب إزالته فتولد منهما هو أكبر منه، فقد كان رسول اللهصلى الله عليه وسلم يرى بمكة أكبرالمنكرات ولا يستطيع تغييرها، بللمَّا فتح الله مكة وصارت دار إسلام،عزم على تغيير البيت وردِّه علىقواعد إبراهيم، ومنعه من ذلك ـ معقدرته عليه ـ خشية وقوع ما هو أعظممنه من عدم احتمال قريش لذلك لقربعهدهم بالإسلام، وكونهم حديثي عهدبكفر، ولهذا لم يأذن في الإنكار علىالأمراء باليد، لما يترتب عليه منوقوع ما هو أعظم منه كما وجد سواء" [إعلام الموقعين 3 / 4 ] .
المشاركة في هذه الأعمال حرام
والنتيجة التي ينبغي أن يتوصلإليها كل أخٍ مسلم غيور على الدعوةالإسلامية في هذا البلد، حريص علىالمسلمين وأعراضهم، أن يمتنع منالمشاركة في هذا العمل الأرعن الذييقوده أناس لا يفقهون الشرع ولايعرفون الواقع، وقد كان أمثالهمسببًا في توريط المسلمين في عدد منالدول التي لم يجنوا منها إلاَّإراقة الدماء والاعتداء على الأعراضوإنهاء الدعوة إلى الله.
وعلى الشباب المسلم أن يرتبطوا بكبارعلماء هذه الأمة، وأن يرجعوا إليهمويسألوهم عن حكم الشرع في كل عمل، لاسيما في النوازل التي هي محضمسؤولياتهم لاستقرائهم الشريعةوفهمهم مقاصدها، وقد أمر الله بالردإليهم في النوازل خاصةً فقال: (( وإذا جاءهم أمر من الأمنأو الخوف أذاعوا به ولو ردّوه إلىالرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمهالذين يستنبطونه منهم ) )وعلى هذا كان أصحابالنبي صلى الله عليه وسلم، فقد كانأحدهم لا يقطع أمرًا حتى يرجع إلىالعالم منهم، كما فعل أبو موسىالأشعري رضي الله عنه عندما رأىقومًا حِلَقًا في المسجد يعدّونالتسبيح والتحميد والتكبير بالحصىفأنكره في نفسه، فأتى إلى دار عبدالله بن مسعود رضي الله عنه فقصّ عليهما رأى، فقال له ابن مسعود رضي اللهعنه:"فماذا قلت لهم؟"قال:"ما قلت لهم شيئًاانتظار رأيك أو انتظار أمرك" [انظر سنن الدارمي ( / 68 ـ 69 ) وهو أثرصحيح ] .
وختامًا نقول: ليحذر العبد مسالك أهلالظلم والجهل، الذين يسلكون مسالكالعلماء، فترى أحدهم أنه في أعلىالدرجات وإنما هو يعلم ظاهرًا منالحياة الدنيا، ولم يحم حول العلمالموروث عن سيد ولد آدم، وقد تعدى علىالأعراض والأموال بكثرة القيلوالقال .
فرحم الله عبدًا نطق بعلم أو سكتبحلم، وعَبَدَ ربه قبل أن يبغتهالأجل، اللهم فوفّق وارحم.