فهرس الكتاب

الصفحة 19119 من 27345

وفي هذه الصحراء، تائه آخر يستبد به القلق، ويغلو في الأسلوب، فيتورط بمدح مبالغ فيه، ثم يتورط في أخرى بذم كثيف، فميزانه متأرجح، وعياره حصاة التقطها جزافًا، ليست سبيكة قد ختمها ولي السوق، ورقيب الحسبة بختمه.

ميثاق الأمن الدعوي: خطب فينا هُمام أحزنه جدلٌ قعد بدعاة الإيمان، فقال:'إن تشخيص أخلاق الرجال واجب؛لأن السلوكيات تتكرر في الأجيال،وتتجدد الأنماط النفسية حتى لكأن نسبًا واحدًا يجمعها،وقد يلجأ الأمير إلى حماية الجماعة بسياسة الحزم،فيرفض التمييع والتردد والمواقف القلقة.

وإن شرعية الاختلاف لا تلغي أفضلية الاتفاق، والآمال العريضة لابد لها من نفوس عالية،والتأصيل أساس في درء الفتن،والنص الشرعي حجة،وأما التحليل فلكل مورده،ولا يكون الاجتهاد حجة على اجتهاد آخر...' .

أحاديث شريفة: بعض من تحاور في قضايا الفتن يظن أن هذه الآيات والأحاديث لا تنطبق على علاقات الإمارة والجندية في الساحة الدعوية، ويذهب إلى أنها غير صالحة للاستشهاد بها، لأنها إنما وردت في الأمير الذي يحكم كل، أو بعض بلاد المسلمين حكمًا سياسيًا من خلال دولة ونظام.

ولسنا نجادل في أنها وردت في ولاة الحكم، ولكن معناها يتعدى ليسري على الإمارة الدعوية من خلال القياس الأصولي، وعبر استحضار الروح العامة للشريعة في باب الإمارة، وهي الروح التي احتكم لها ابن تيمية في بعض إفتائه، وعنصر القوة في قبول هذا القياس: أن البيعة لأمراء الدعوة انعقدت بعقد رضائي تام، وألزم الدعاة أنفسهم بهذه الطاعة اختيارًا، لما قام في قلوبهم من معنى لزومها لإيجاد حقيقة العمل الجماعي، الكفيل بوضع الدعوة في موضع المكافأة لخصوم الإسلام في ساحة التنافس، ولم يقل أحد من الدعاة بلزوم طاعة عامة المسلمين لأمراء الدعوة، وإنما مضى مذهبهم بوجوبها على من بايع عن قناعة، واختار هدر حقوقه في الاجتهاد والتصرف إذا خالفتهما توجهات، وأوامر أمراء الدعوة.

ويزداد رجحان صحة هذا القياس إذا كان الدعاة في زمان أو مكان ليس فيهما حاكم شرعي أتت به بيعة شرعية شورية، فتكون مسارعة الدعاة إلى مبايعة أمير دعوي نوعًا من التعويض المستند إلى منطق فقهي صحيح، لما تؤدي إليه هذه البيعة الناقصة الحالية من احتمال إحلال البيعة السياسية الحكمية في عالم الواقع مستقبلًا، وما لا يدرك كله لا يترك جُله، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وسيأتي من كلام ابن حجر ما يؤيد هذا القياس.

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: [مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَمَنْ أَطَاعَ أَمِيرِي فَقَدْ أَطَاعَنِي وَمَنْ عَصَى أَمِيرِي فَقَدْ عَصَانِي] رواه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجة وأحمد.

قال ابن حجر:' فِي رِوَايَة هَمَّام وَالْأَعْرَج وَغَيْرهمَا عِنْدَ مُسْلِم: [ وَمَنْ أَطَاعَ الْأَمِير] وَيُمْكِن رَدّ اللَّفْظَيْنِ لِمَعْنًى وَاحِد , فَإِنَّ كُلّ مَنْ يَأْمُر بِحَقٍّ وَكَانَ عَادِلًا فَهُوَ أَمِير الشَّارِع لِأَنَّهُ تَوَلَّى بِأَمْرِهِ وَبِشَرِيعَتِهِ, وَيُؤَيِّدهُ تَوْحِيد الْجَوَاب فِي الْأَمْرَيْنِ وَهُوَ قَوْله: [ فَقَدْ أَطَاعَنِي] أَيْ عَمِلَ بِمَا شَرَعْته, وَكَأَنَّ الْحِكْمَة فِي تَخْصِيص أَمِيره بِالذِّكْرِ أَنَّهُ الْمُرَاد وَقْت الْخِطَاب, وَلِأَنَّهُ سَبَب وُرُود الْحَدِيث .

وَأَمَّا الْحُكْم فَالْعِبْرَة بِعُمُومِ اللَّفْظ لَا بِخُصُوصِ السَّبَب . وَوَقَعَ فِي رِوَايَة هَمَّام أَيْضًا: [ وَمَنْ يُطِعْ الْأَمِير فَقَدْ أَطَاعَنِي] بِصِيغَةِ الْمُضَارَعَة, وَكَذَا: [ وَمَنْ يَعْصِ الْأَمِير فَقَدْ عَصَانِي] وَهُوَ أَدْخَل فِي إِرَادَة تَعْمِيم مَنْ خُوطِبَ وَمَنْ جَاءَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ '. اهـ وهذا الكلام من ابن حجر في غاية الأهمية، لما فيه من تأييد ما ذهبنا إليه من القياس الأصولي لأمور أمراء الدعوة الذين يأمرون بالحق على أمراء الحكم، مما ذكرناه آنفًا.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن سُمرة رضي الله عنه: [يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ لَا تَسْأَلْ الْإِمَارَةَ فَإِنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا...] رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وأبوداود والدارمي وأحمد.

من رسالة:'فضائح الفتن' للأستاذ/ محمد أحمد الراشد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت