وقد عني القرآن عناية كبرى بالعقل، ولذلك جاءت آيات كثيرة جدًا تحث على العقل، سواء بلفظ العقل أو التدبر أو التفكر، وكلها تشير إلى العقل"لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ" (الحشر:21) ،"أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا" (محمد:24) ،"أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا" (النساء:82) ،"أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا" (الروم: من الآية9) ،"قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا" (النمل: من الآية69) ،"إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا" (سبأ: من الآية46) . كل هذه الآيات وغيرها دعوة إلى استخدام العقل الذي ميز الله به الإنسان عن غيره، فإذا استخدمه الإنسان الاستخدام الصحيح هدي إلى الحق، أما إذا ركب هواه وعاطفته وألغى عقله فإنه يضل - والعياذ بالله - كما بين الله جل حال الكفار بقوله:"إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ" (الفرقان: من الآية44) .
وقد سمي العقل عقلًا؛ لأنه يعقل صاحبه عن التصرفات غير المحمودة، كما أن الحكمة هي ما يلجم الدابة عن التصرف إلاّ عن طريق قائدها أو سائسها، فالحكمة والعقل متقاربان.
وما أحوج الأمة اليوم إلى العقل الذي يمنع من الاستعجال، يمنع من الإقدام على تصرفات لا تناسبه، يدل الأمة أن مكانتها عظيمة، ويرشدها إلى سبيل استثامر طاقاتها الاستثمار الأمثل.
العقل يمنع العاقل من أن يتصرف تصرفًا خاطئًا مع زوجته، وأولئك الذين يستعجلون في كثير من الأحيان، فيطلقون زوجاتهم غالبًا ما يكونون في حالة غياب العقل، أو جزء من العقل بعبارة أدق.
وهنا مسألة مهمة جدًا تغيب عن أذهان الكثيرين، وهي العلاقة بين العاطفة والعقل، فالعاطفة مهمة، والأمة بدون عاطفة كائن جامد لا يعرف معنى الحياة، فالعاطفة هي التي تحرك المشاعر في الإنسان، ليتفاعل مع إخوانه، بالعاطفة يرحم الأب أبناءه، بالعاطفة يتكاتف الجار مع جيرانه، بالعاطفة يكون الإنسان فعالًا في مجتمعه، ولكن الانسياق وراء العاطفة وحدها خطأ كبير جدًا، بل لا بد من توافق وتنسيق بين العاطفة والعقل، فكيف يكون ذلك؟
يكون ذلك بإرجاع العاطفة إلى العقل، وإرجاع العقل إلى الشرع، فإذا تحركت العاطفة عندك فارجع إلى عقلك، وانظر حكمه، ثم بعد ذلك عليك أن ترجع العقل إلى الشرع، فيصدقه أو يكذبه، فالشرع هو الذي يحكم بين العقل القاصر، والعاطفة الجياشة إن اختلفا.
والعقل الصريح لا يناقض النقل الصحيح أبدًا، فالعقل الصريح الخالي من الشوائب، من الهوى، من الرواسب، لا يتعارض أبدًا مع النقل الصحيح، كما بين شيخ الإسلام - رحمه الله - فمتى دل الشرع على خلاف عقلك فثق بأن في نمط التفكير خللًا ينبغي أن يراجع.
أقف عند هذا الحد، وتتصل الوقفات مع آيات هذه السورة العظيمة في مقالات أخرى، أسأل الله أن ينفع قارئها وكاتبها بها، وصلى الله على نبينا محمد.
(1) رواه الحاكم في مستدركه 1/172 برقم (319) ، والبيهقي في الكبرى 10/114، والدراقطني في السنن 4/245، وغيرهم.
(2) صحيح البخاري 4/1757.
(3) صحيح البخاري 3/1322.
(4) صحيح البخاري 5/1990، ومسلم 4/1901.