فهرس الكتاب

الصفحة 6722 من 27345

ثانيًا:- أقر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ منكرًا لأن دافع الفعل كان الجهل من جهة ومن جهة أخرى أقر المنكر لدفع ما هو أشد منه فالمنكر الذي أقره هو استمرار الأعرابي في التبول، و المنكر الذي دفعه بهذا الإقرار، أن الأعرابي مع كونه جاهلًا دينًا وعرفًا لحكم فعله لو قام عن التبول لا يخلوا حدوث شيئين من قيامه.

1-أن يقوم الأعرابي مكشوف العورة هاربًا أو يسدل عليه ثيابه فتتلوث بالبول.

2-يتلوث منه المسجد بقدر أكبر إذا استمر نزول البول من مخرجه وهو هارب فإما أن يبدوا الرجل وهو كاشفٌ عورته وإما أن يستر عورته ولكن تتلوث ثيابه بما يصيبها من البول وربما عاد فجلس فيتلوث مكان آخر بالبول في المسجد من أجل هاتين المفسدتين منع صلى الله عليه وسلم الإنكار عليه أول الأمر لأن المفسدة قد حصلت والنهي عنها يؤدي إلى أكبر منها فأمسك الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن الإنكار دفعًا لكبرى المفسدتين. قال الله تعالى ( ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوًا بغير علم ) الأنعام الآية 108،

ومن ذا الذي يقول أن سب الآلهة من الأمور المحظورة لكنه يحظر إذا أدى إلى سب الله عز وجل والنفور عن دينه.

ثالثًا:- وجوب المبادرة بإزالة المفاسد وآثار المنكر قبل معاقبة مرتكب المنكر، لأن التأخير له آفات، ولهذا لم يؤخر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ تطهير المسجد حتى يحين وقت الصلاة ويحتاج الناس للصلاة في المسجد وهذه نقطة هامة جدًا يجب أن يدركها العلماء العاملون، لأن التأخير عن إزالة المفسدة قد يؤدي إلى انتشارها فيعجز عن إزالتها مستقبلا وقد تصير لها حكم النسيان أو العادة مع طول الاستمرار ومن الحكمة رصد المنكر ومفاسده والمبادرة إلى إزالة ذلك وانظر إليه ـ صلى الله عليه وسلم ـ حيث أمر بإحضار الماء وإزالة المفسدة.

رابعًا:- إذا كان فاعل المنكر جاهلًا علم ما يجهله منه بعد إزالة آثار فساده ويبين له ضرر المنكر وما يؤول إليه كما يبين له فوائد ترك المنكر ويعلم ما يؤول إلى ذلك من خير، من هنا يبن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ للأعرابي قيمة المساجد ودورها وأهمية تعظيمها وما يعمل فيها مما يخالف عمله تماما.

خامسًا:- إن إزالة المنكر والقضاء على المفاسد لا تكون بالعنف والشدة والتشهير والمواجهة بل إن الدعوة إلى الخير وإزالة الشر الأصل أن يكون بالحكمة واللطف واللين، وليس من الحكمة واليسر ترك إزالة المنكر وترك مواجهة الفساد، بل يجب مواجهته بالحكمة والرفق لأنه يؤدي إلى القبول والرد الجميل وعدم إرادة المواجهة من الطرف الآخر، ولهذا أدى موقف الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ مع الأعرابي إلى تأثره الكبير لموقف الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ منه وإلى ردة فعل مع الصحابة اقرأه في قوله: {اللهم ارحمني ومحمدا ولا ترحم معنا أحدًا} تصور معي فقد أراد أن يحرم العالم كله من رحمة الله بسبب ذلك الموقف الشديد من الصحابة رضي الله عنهم، ومعالجة المنكر باليسر والرفق يحصل منه المطلوب بل يحصل ما هو أكبر مما لو أراد معالجته بالعنف وانظر كيف تقبل الرجل توجيه النبي ـ صلى عليه وسلم ـ بالامتنان والدعاء له.

فأنت تجد أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ استعمل مع هذا الرجل جانب اللين والرفق لأنه جاهل بلا شك، لأنه لا يمكن لمن علم حرمة المسجد ووجوب تعظيمه أن يقوم أمام الناس ليبول في جانب منه.

ولهذا نظائر في السنة وعمل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومن ذلك حديث العاطس في صلاته والمسيء صلاته.

وأما أمثلة القسم الثاني:

فالمثال للنوع الأول: الواقع في المنكر مع علمه بالحكم وبحثه عن التوبة.

أخرج البخاري من حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن النبي ـ صلى الله غليه وسلم ـ جاءه رجل فقال يا رسول الله:"هلكت وأهلكت". قال: ما أهلكك قال: وقعت على امرأتي في رمضان وأنا صائم. فسأله النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: هل تجد رقبة فقال: لا. فسأله هل يستطيع أن يصوم شهرين متتابعين فقال: لا فسأله هل تستطيع إطعام ستين مسكينًا؟ فقال: لا ثم جلس الرجل فأتي النبي صلى الله عليه وسلم بتمر فقال: (خذ هذا فتصدق به ) يعني كفارة، فقال: أعلى أفقر مني يا رسول الله ما بين لابتيها - يعني المدينة - أهل بيت أفقر مني، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه ثم قال: ( أطعمه أهلك) . هكذا ورب الكعبة يكون الدين.

وصف المشكلة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت