فهرس الكتاب

الصفحة 6723 من 27345

كتب الله الصيام على العباد وحرم عليهم بعضًا مما أحله لهم في نهار الصيام ومما حرمه عليهم مقارفة زوجاتهم نهارًا في شهر الصيام وشدد على من أقترف ذلك ووقع أحد المسلمين في مقارفة أهله في نهار رمضان مع علمه بالحرمة، ولما قضى وطره استيقظ بصره وبصيرته وأنب ضميره وسعى لترك ما وقع فيه وعزم على التوبة مما جرى فتوجه فورًا إلى الرباني العظيم محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليستجلي منه الأمر إزاء ما اقترفه وجاء إليه وهو مقر بما اقترفه عالمًا بعقوبة جرمه تائبًا خائفًا مصرحًّا للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بما حدث منه من مجامعة أهله في نهار رمضان مبينًا وقوعه في سبب هلاكه وهلاك زوجته لأنه ربما أنه أرغمها على ذلك أو أنهما تراضيا عليه فإن أرغمها فقد تصور أنها هالكة معه وإن كانت قد رضيت فربما أنه مهد لها هو فكان سبب هلاكها معه.

فما الذي حدث: لقد تقبل الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ الأمر بهدوء دون تشنج وإنما بين له ما الذي يجب عليه من الكفارة ونقله من الأعلى إلى الأدنى وفي كل ذلك يعتذر الرجل بعدم القدرة ويأمره الرسول ـ صلى الله عليه وسلم بالجلوس لعله يجد له ما يبرئ به ذمته ويكفر به عن خطيئته وخلال هذا الجلوس جرت الأريحية والأمن في دم الرجل الذي جاء في أول وقته قلقًا خائفًا خائرًا يندب حظه ويخاف عقاب ربه ويسأل عما يجب أن يفعله، دب الأمن في قلبه وجرى الهدوء في روعه من حسن الحكمة التي اتخذها الرسول صلى الله عليه وسلم في تهدئته ولم يمكث كثيرًا حتى جاء أحد المسلمين بزنبيل كبير فيه تمر يكفي لستين مسكينًا فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى الرجل وقال له خذ هذا التمر وكفر به عن خطيئتك، لكن الرجل وبعد أن ذهب عنه الروع أحب أن يعود بالتمر لأهله لأن الإسلام دين رحمة وعطاء فجرأه ذلك على أن يضع حاله بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وبصورة حصرية، بأنه أحوج من بالبلد، ومن هنا ضحك الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم تعجبا من هذا الذي جاء هاربًا خائفًا في أول أمره ثم لما ذهب عنه الروع أراد أن يعود محملًا بالتمر إلى أهله.

والخلاصة: أن الرجل يعلم حرمة الجماع في نهار رمضان للزوجة فوقع فيه، ولما قضى حاجته عن زوجته فزع من خطيئته وعلم كبير جرمه فهرب إلى العالم الرباني محمد بن عبدالله عليه الصلاة والسلام ليكشف له عما ستر الله تعالى متسائلًا عن النجاة من هذا الهلاك الذي وقع فيه فرد عليه الرسول بهدوء ورحمة وستر مبينا له ما يلزمه من كفارة، لكن الرجل وقد هدأ روعه الرسول في استقباله اعتذره بالعجز عما يلزمه. فحاول الرسول مساعدته ليطهره من ذنبه، لكن أريحية الرجل اتسعت بعد ذهاب الخوف منه فبعد أن أعطاه الرسول صلى الله عليه وسلم التمر أخبره بواقع حاله وحاجته حتى يظفر بالتمر إن أمكن وقد تحقق له ما صبا إليه بعد أن تعجب الرسول صلى الله عليه وسلم منه بمعاملة ملؤها الحب والرحمة والشفقة حيث أمره بأن يطعم أهله التمر.

ومن المعلوم أنه جرم عظيم أن يتعمد الإنسان جماع زوجته وهو صائم في نهار رمضان ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم بعد أن كشف له الرجل سره، ماذا عمل، هل تكلم عليه وزجره ووبخه وفضحه على رؤوس الأشهاد، لا، لأن الرجل جاء تائبًا نادمًا، لا معرضًا ولا مستهترًا ولا غير مبال بما جرى منه ومن هنا على العلماء والدعاة أن يستخلصوا العبر التي منها:-

-أنه لا بد من التفريق بين مرتكب المنكر الذي يثوب إلى رشده ويجيء تائبًا نادمًا باحثًا عما يلزمه، الرجل الذي يأتي مستنجدًا ويطلب تخليص نفسه مما وقع فيه وبين الرجل الذي يستمري فعل المنكر ويظهر وهو معرض عن الحق مستهزئ غير مبال بما حصل ويحصل معاند ينتصر لمنكره.

فالأول: تجب معاملته بالرفق واللين وعدم زجره وتوبيخه كما عامل الرسول صلى الله عليه وسلم هذا الرجل حيث رده إلى أهله ومعه الغنيمة يحملها إلى أهله.

وكثير من الناس اليوم يسبون ويسخرون ويهزؤون ممن يفشي لهم سره ويطلب منهم نصحه وبيان حكم الله في فعله.

وهذا كثير في السنة كالرجل الذي جاء يريد حل الزنا له وقصته معروفة.

والمثال للنوع الثاني:

قصة الرجل الذي لبس خاتمًا حيث رأى النبي صلى الله عليه وسلم بيد رجل خاتما من ذهب وأقر بعد سؤاله أنه من ذهب فقال النبي صلى الله عليه وسلم"يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيضعها في يده"ثم نزع الخاتم من يده ورمى به، فلما انصرف النبي صلى الله عليه وسلم قيل للرجل: خذ خاتمك وانتفع به، فقال: والله لا آخذ خاتمًا طرحه النبي صلى الله عليه وسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت