وهذا يختلف تمامًا في معاملته عن الرجل الذي قبله إذ أن الرجل الذي قبله جاء خائفًا نادمًا يلتمس من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يدله على تكفير ذنبه جاء هاربًا ماقتًا لجرمه أما هذا فإن النبي صلى الله عليه وسلم استعمل معه شيئًا من الشدة والزجر وذلك لأنه عالم بالتحريم لكنه متلبس بالمنكر مستهين به محتقر له لكونه غافلًا عنه فأراد النبي صلى الله عليه وسلم بهذا المنهج أن ينبهه فهذا لم ينزع الخاتم منه مباشرة بل قرره بالسؤال عن ماهيته فأجاب بأنه خاتم من ذهب وكان اللائق به أن يخلعه مباشرة بعد أن سمع النبي صلى الله عليه وسلم يسأله عنه لكنه لم يفعل إما إنه كان غافلًا ذاهلًا أو أنه كان مستصغرًا للمنكر لم يدرك حجمه، ولهذا أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يبين كبر المنكر وفحش العمل فبين بهذا التشبيه ما يؤدي إلى زجر المقترف عن فعله وعن حقيقة لبس خاتم الذهب ثم أراد لفت النظر حتى لا ينساه الناس ويعلموا جد التحريم فشد على الخاتم فنزعه وألقاه في الأرض فكانت رسالة قوية لذلك المؤمن هزت مشاعره وعرضت أمامه قبح المنكر وإن كان صغيرًا في نظر فاعله ومن هنا أقلع فورًا عن ملامسته وأدب نفسه بعدم أخذه الخاتم حتى ولو للبيع إزاء ما اقترفه من لباس مخالفا لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم وهذه غاية الحكمة المناسبة لحال الملابس للمنكر فصلوات ربي وسلامه عليه.
أما المثال للقسم الثالث: فإنه ذلك الرجل الذي جلس بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل بشماله فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: (كل بيمينك) فقال: لا أستطيع فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: (لاستطعت) فشلت يده فما رفعها. وقد جاء في الحديث أنه ما تركها إلا تكبرًا.
وتوصيف المشكلة: أن اليمن خير وبركة وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب التيامن في كل شيء طيب فكان يستعمل يمينه في كل ما فيه طهارة ونقاء كالأكل والشرب واللباس ويستعمل الأخرى للقاذورات كالاستنجاء والاستجمار ونظافة الأنفس ويؤخرها في اللباس ونحوه، وإلى ذلك دعا المسلمين وعلمهم وأدبهم وأخبرهم أن الشيطان يستعمل شماله ونحن مأمورون بمخالفته وعدم إتباعه وهذا الرجل كان يعلم الحكم فأراد مخالفته ومارس ذلك بين يدي المعلم والمشرع صلوات الله وسلامه عليه فتلبس بالمنكر مع العلم به وسابق الإصرار عليه ممارسًا الكبر والعناد. ولما رآه الرسول صلى الله عليه وسلم يأكل بشماله متبعًا للشيطان مخالفًا أمر الرحمن نبهه قائلًا (كل بيمنك) لعله أن يكون في فعله غافلًا أو ناسيًا مع كونه في كامل صحته، فرد هذا بجرأة فائقة وسوء أدب منقطع النظير رادًا للحق ورافضًا للتوجيه والأمر متجاوزًا صاحب المقام بقوله [ لا أستطيع ] فكان الرد حاسمًا والجواب حاضرًا والعقاب أليمًا جزاء ما اقترفته يده بالدعوة عليه وتوقفت حركة يده -نسأل الله العافية-ومن هنا تظهر الحكمة العالية للرسول صلى الله عليه وسلم في دعوته ونحن بحاجة ماسة لممارسة هذا المنهاج ورصده في تعاملنا مع المدعوين والمخالفين والمناوئين فإذا أدركنا ذلك بعلم ودراية كثر المستجيبون وقل الأعداء ووضح منهج الإسلام للجميع وما تمر به أمتنا اليوم يحتاج إلى رصد هذه الأحوال وعرضها على ورشة عمل دعوية حتى لا تتداخل الأمور فتكثر الأعداء ونعدم الأصدقاء فنبدأ بمواجهة المنكرين بحزم وعلم ونتلطف بالغافلين ونهدئ من روعة التائبين ونُعَلِم الجاهلين، كل ذلك بحكمة بالغة.
(ومن يؤتى الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا )