فحين نأتي إلى هؤلاء الآيات في هذه المرحلة المتأخرة نوعًا ما فنراها تخاطب النبي عليه الصلاة والسلام بهذا الشكل تكشف أن الله لم يودعه ولم يهجره ولم يبغضه ، وتكشف له عن حقيقة أساسية قريبة منه إنه حين اختار لكي يحمل الأمانة إلى الناس إنما اختاره بعلمه ( الله أعلم حيث يجعل رسالته ) وإذ اختاره جلا وعلا فالله ليس شخصًا من الأشخاص يقدم على العمل ثم يرى فيه رأيًا آخر فيلغي رأيه السابق فيأخذ برأي جديد ، علم الله جلا وعلا لا يطرأ عيه شيء من شوائب الجهل ، فحين اختار محمدًا صلوات الله عليه واختار له هذه الرسالة اختاره على علم وأنزلها عليه على علم وبعلمه جلّ وعلا ، فهو لم يتركه بحال من الأحوال ، ولم يتوهم مسلم أن الله جلا وعلا سيترك دينه الذي ارتضاه لخلقه ألعوبة في يد العابثين والمضللين ، ما الدليل على ذلك ؟ ماذا ساق الله جلا وعلا ؟ الإسلام لا يتورط معك في مقايسات وفي أمور فلسفية غامضة ، يأخذ بك من قريب ويلفت نظرك إلى قريب ، أنت تتصور الأمور صعبة ، انظر يا محمد: لو كان ما يقول أعداؤك حقًا ؟ انظر إلى النشأة التي نشأتها وأنت في مجتمعك العربي البدوي ، ماذا كنت ؟ تزوج أبوك من أمك وكأنما لم يكن لهم من الوجود إلا أن يلقي هذه النطفة من جسده في رحم أمك ومضى من هذه الدنيا وأنت جنين في بطن أمك ، ورضعتك أمك يتيمًا بلا أب ، ما الذي تركه لك أبوك ؟ جارية فقط ، ويقال ترك له شويهات ، من الذي كفله ؟ جدك الذي يدلف إلى القبر ، وحين كان سادات قريش لا يستطيعون أن يقتربوا من فراش عبد المطلب كان الله قد قذف في قلب جدك محبة لك ، فكنت تحبو على فراشه فإذا انتهرك منتهر قال: خلوا ابني فإنه يشيب ملكًا أي أنه يحس منه السيادة والعظمة والملك . ثم مضت أمك ومضى جدك . في ذلك المجتمع القاسي الذي يظلم اليتيم ، أنت يا محمد ما جعلك تحس من مرارة اليتم شيئًا ، كفلك أبو طالب ثم بقي أبو طالب حيًا حتى نبّأك الله بالرسالة . اليتم الذي يشكو منه أقرانك من أطفال قريش كنت أنت محفوظًا من أن تحس مرارة اليتم . ثم أغناك ، بما أغناك ؟ هيأ لك الزواج المريح ، وجعلك تتردد في التجارة قبل أن تتزوج ، ثم تزوجت البرة التقية النقية خديجة بنت خويلد فكانت لك أنسًا وكانت لعينك قرة وطمأنينة ، صدقتك إذ كذبك الناس ، وسخرت مالها من أجل هذه الدعوة فلم تحس مرارة الفقر . الله فعل بك هذا ( ألم يجدك يتيمًا فآوى ، ووجدك ضالًا فهدى ، ووجدك عائلًا فأغنى ) فهل من المعقول أن يتركك ؟ أتستكثر عليه أن يقود خطاك ؟ فما يزال أمرك ينمو يومًا بعد يوم حتى يستوي على أصوله وقواعده ؟ أتتصور أن الله يتركك ؟ لا ، لا حاجة إلى كثير من الفلسفة ولا إلى كثير من العقليات . في حياتك الخاصة تجد أن عناية الله قد حفت بك منذ أن كنت نطفة استقرت في الرحم وإلى أن خرجت إلى الدنيا ، وتنتقل من حال إلى حال لا تفتقد رعاية الله لك لحظة واحدة . فإذا كان الأمر كذلك فما الأمر عليك يا محمد ؟
( ألم يجدك يتيمًا فآوى ، ووجدك ضالًا فهدى ) وحذار من أن يفهم معنى الضلال بمعناها العام كضلال الوثنيين الذين كانوا يسجدون للأصنام ، فحاشا لرسول الله صلى الله عليه وسلم من أن يقترب من صنم . في سفرته إلى الشام وحين قصد بصرى قال له الراهب بحيرا: أنشدك باللات والعزى على أمر حلفه عليه ، قال له: لا تذكر لي اللات والعزى والله ما أبغضت شيئًا كما أبغضت اللات والعزى . ضلالة النبي صلى الله عليه وسلم التي ذكرها الله في السورة كضلالة أولئك المتحمسين الذين كانوا يطلبون في الجاهلية دين إبراهيم عليه السلام فلا يهتدون إليه ، وكانوا ينقطعون كل عام في الجبال في رمضان يعبدون الله جلا وعلا على الطريقة التي يرونها أدعى إلى الطمأنينة ويتركون ما عليه قومهم من عبادة الأصنام وضلالة الوثنية . لكنها على كل حال ضلالة يعني حالة ضياع أو عدم اهتداء للطريق ، فهذا الطريق الذي هو الإسلام ليس شيئًا يمكن اكتشافه بالتفكير ، فالبشرية عرفت عقولًا كبيرة وعرفت طاقات مفكرة عظيمة ولكن المفكرين جميعًا وقفوا متحيرين أمام مسألة الألوهية وقضية الديانة ، لأن الطريق إلى الألوهية وإلى الديانة مرتبطة بالوحي الذي لا يمكن أن تحوم حوله العقول ، فالله جلا وعلا يذكر في مقام المنة على نبيه صلى الله عليه وسلم هذا الأمر ، لقد كنت تفتش عن مرضاة الله يا محمد قبل أن يأتيك الوحي ، لأنك تسير في طريق لا يؤدي إلى الرسالة ، لأن الرسالة ليست ثمرة البحث والاجتهاد وإنما الرسالة اختصاص من الله جلا وعلا ، فهداك الله جلا وعلا . هل كان ذلك بالخاطر أو الهاجس ؟ لا ، وإنما بالوحي الذي جاءك به جبريل عليه السلام من الله تبارك وتعالى ، هذا المن الذي منّ الله به على محمد صلى الله عليه وسلم.