فهرس الكتاب

الصفحة 13572 من 27345

فحين نأتي إلى هؤلاء الآيات في هذه المرحلة المتأخرة نوعًا ما فنراها تخاطب النبي عليه الصلاة والسلام بهذا الشكل تكشف أن الله لم يودعه ولم يهجره ولم يبغضه ، وتكشف له عن حقيقة أساسية قريبة منه إنه حين اختار لكي يحمل الأمانة إلى الناس إنما اختاره بعلمه ( الله أعلم حيث يجعل رسالته ) وإذ اختاره جلا وعلا فالله ليس شخصًا من الأشخاص يقدم على العمل ثم يرى فيه رأيًا آخر فيلغي رأيه السابق فيأخذ برأي جديد ، علم الله جلا وعلا لا يطرأ عيه شيء من شوائب الجهل ، فحين اختار محمدًا صلوات الله عليه واختار له هذه الرسالة اختاره على علم وأنزلها عليه على علم وبعلمه جلّ وعلا ، فهو لم يتركه بحال من الأحوال ، ولم يتوهم مسلم أن الله جلا وعلا سيترك دينه الذي ارتضاه لخلقه ألعوبة في يد العابثين والمضللين ، ما الدليل على ذلك ؟ ماذا ساق الله جلا وعلا ؟ الإسلام لا يتورط معك في مقايسات وفي أمور فلسفية غامضة ، يأخذ بك من قريب ويلفت نظرك إلى قريب ، أنت تتصور الأمور صعبة ، انظر يا محمد: لو كان ما يقول أعداؤك حقًا ؟ انظر إلى النشأة التي نشأتها وأنت في مجتمعك العربي البدوي ، ماذا كنت ؟ تزوج أبوك من أمك وكأنما لم يكن لهم من الوجود إلا أن يلقي هذه النطفة من جسده في رحم أمك ومضى من هذه الدنيا وأنت جنين في بطن أمك ، ورضعتك أمك يتيمًا بلا أب ، ما الذي تركه لك أبوك ؟ جارية فقط ، ويقال ترك له شويهات ، من الذي كفله ؟ جدك الذي يدلف إلى القبر ، وحين كان سادات قريش لا يستطيعون أن يقتربوا من فراش عبد المطلب كان الله قد قذف في قلب جدك محبة لك ، فكنت تحبو على فراشه فإذا انتهرك منتهر قال: خلوا ابني فإنه يشيب ملكًا أي أنه يحس منه السيادة والعظمة والملك . ثم مضت أمك ومضى جدك . في ذلك المجتمع القاسي الذي يظلم اليتيم ، أنت يا محمد ما جعلك تحس من مرارة اليتم شيئًا ، كفلك أبو طالب ثم بقي أبو طالب حيًا حتى نبّأك الله بالرسالة . اليتم الذي يشكو منه أقرانك من أطفال قريش كنت أنت محفوظًا من أن تحس مرارة اليتم . ثم أغناك ، بما أغناك ؟ هيأ لك الزواج المريح ، وجعلك تتردد في التجارة قبل أن تتزوج ، ثم تزوجت البرة التقية النقية خديجة بنت خويلد فكانت لك أنسًا وكانت لعينك قرة وطمأنينة ، صدقتك إذ كذبك الناس ، وسخرت مالها من أجل هذه الدعوة فلم تحس مرارة الفقر . الله فعل بك هذا ( ألم يجدك يتيمًا فآوى ، ووجدك ضالًا فهدى ، ووجدك عائلًا فأغنى ) فهل من المعقول أن يتركك ؟ أتستكثر عليه أن يقود خطاك ؟ فما يزال أمرك ينمو يومًا بعد يوم حتى يستوي على أصوله وقواعده ؟ أتتصور أن الله يتركك ؟ لا ، لا حاجة إلى كثير من الفلسفة ولا إلى كثير من العقليات . في حياتك الخاصة تجد أن عناية الله قد حفت بك منذ أن كنت نطفة استقرت في الرحم وإلى أن خرجت إلى الدنيا ، وتنتقل من حال إلى حال لا تفتقد رعاية الله لك لحظة واحدة . فإذا كان الأمر كذلك فما الأمر عليك يا محمد ؟

( ألم يجدك يتيمًا فآوى ، ووجدك ضالًا فهدى ) وحذار من أن يفهم معنى الضلال بمعناها العام كضلال الوثنيين الذين كانوا يسجدون للأصنام ، فحاشا لرسول الله صلى الله عليه وسلم من أن يقترب من صنم . في سفرته إلى الشام وحين قصد بصرى قال له الراهب بحيرا: أنشدك باللات والعزى على أمر حلفه عليه ، قال له: لا تذكر لي اللات والعزى والله ما أبغضت شيئًا كما أبغضت اللات والعزى . ضلالة النبي صلى الله عليه وسلم التي ذكرها الله في السورة كضلالة أولئك المتحمسين الذين كانوا يطلبون في الجاهلية دين إبراهيم عليه السلام فلا يهتدون إليه ، وكانوا ينقطعون كل عام في الجبال في رمضان يعبدون الله جلا وعلا على الطريقة التي يرونها أدعى إلى الطمأنينة ويتركون ما عليه قومهم من عبادة الأصنام وضلالة الوثنية . لكنها على كل حال ضلالة يعني حالة ضياع أو عدم اهتداء للطريق ، فهذا الطريق الذي هو الإسلام ليس شيئًا يمكن اكتشافه بالتفكير ، فالبشرية عرفت عقولًا كبيرة وعرفت طاقات مفكرة عظيمة ولكن المفكرين جميعًا وقفوا متحيرين أمام مسألة الألوهية وقضية الديانة ، لأن الطريق إلى الألوهية وإلى الديانة مرتبطة بالوحي الذي لا يمكن أن تحوم حوله العقول ، فالله جلا وعلا يذكر في مقام المنة على نبيه صلى الله عليه وسلم هذا الأمر ، لقد كنت تفتش عن مرضاة الله يا محمد قبل أن يأتيك الوحي ، لأنك تسير في طريق لا يؤدي إلى الرسالة ، لأن الرسالة ليست ثمرة البحث والاجتهاد وإنما الرسالة اختصاص من الله جلا وعلا ، فهداك الله جلا وعلا . هل كان ذلك بالخاطر أو الهاجس ؟ لا ، وإنما بالوحي الذي جاءك به جبريل عليه السلام من الله تبارك وتعالى ، هذا المن الذي منّ الله به على محمد صلى الله عليه وسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت