ولو أنك ذهبت تلتمس هذه الظاهرة في وقائع البشرية أبدًا كسلسلة مستمرة لوجدتها ظاهرة ، وحين كان الله جل وعلا يفتتح بها سورة صاد فلم يفتتح ذلك ليعلن النصر في الإسلام ليس علمًا يتلقى في الأكادميات والجامعات ولكنه دين يتحرك الناس به في الحياة ، إنما هذا بذلك فوق إظهار الناصب وفوق تعرية الساحة أن يظل أمل المسلمين في النصر قائمًا ، كان يقول لهم هذا الكلام ( بل الذين كفروا في عزة وشقاق ) والجو من حولهم لا شيء فيه مما يدعو إلى الثقة ويبعث على الأمل ، وكان يقول لهم ( جند ما هنالك مغلوب من الأحزاب ) لماذا ؟ لأن هذه الأحزاب المتحزبة مهما تبلغ من كثافتها ومهما يبلغ هيلها وهيلمانها فإنها كالهباء تطير بنفخة ، ذلك لأنها تتجمع ظاهريًا ولكن قلوبها متخالفة وهم كما وصف الله جل وعلا المنافقين ( تحسبهم جميعًا وقلوبهم شتى ) فلكي يعيد الثقة إلى نبيه عليه الصلاة واسلام والمؤمنين بعاقبة الطريق الذي هم فيه قال له ( بل الذين كفروا في عزة وشقاق ) .
ولو أن أمتنا الكريمة حاولت أن تفيد من هذين اللفظين من هذه الآية الفاذة من أوائل سورة صاد لعلمت أنها ـ وهي ذات الأعداد الهائلة والإمكانات الباذخة والتاريخ المجيد والمستقبل الواعد ـ تملك أن تغيّر مصائر البشرية وأن تفتح للحضارة الإسلامية صفحات جديدة . إن هذا هذا الكلام قيل لمحمد عليه الصلاو والسلام ولمن آمن معه من المسلمين فوعوا هذا الكلام وعرفوا أن الكفر ضعيف وأم الكافرين هباء وأن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين ، وإن هذا الكلام قيل للمؤمنين فعرفوا أن معركتهم لها شرطها المسبق وهي الإخاء ، الوحدة الجامعة للمؤمنين الذين لا تفرقهم أهواء النفوس ولا تبدد طاقاتهم الشهوات والأطماع ، وانهم حينما يخوضون المعركة على هذا الأساس فإنهم منتصرون ، وأن القوة التي تناوئهم موحدون في الظاهر مختلفون في الباطن ، فكما ألهم الله رسوله والمؤمنين في الماضي أن يفقهوا عبرة هذا الدرس أسأله تبارك وتعالى أن يعيننا على أن نفقه عبرة هذا الدرس لنسعد ونعز ونتوحد ونتفق ونكون جديرين في حمل كلمة الله إلى الناس عامة وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين والحمد لله رب العالمين .