فهذا موقف محدد من أول السورة من سور القرآن الكريم إن العزة الكاذبة التي تصرف الإنسان عن وزن نفسه وعن إعطاء نفسه قدرها الحقيقي صفة ملازمة للكفر ، لأن الكفر ينسي الإنسان حقيقة العبودية لله وأيضًا الشقاق لماذا لا بد أن يكون الشقاق دائمًا ومستحكمًا بين الكافرين لاحظوا إن الشقاق نتيجة وليس سبب ، بمعنى أنه تعبير عن تطلعات نفس وعن شهوات نفس وعن إرادة نفس ، أنا وأنت ننظر في قضية واحدة حينما أرى فيها رأي محدد فأنت ترى قد ترى رأيًا آخر ، حينما تكون شاعرًا بذاتك غاية الشعور على درجة عالية بوتيرة غير معقولة فأنت ترى أن كل جانب من جوانب الصواب في موقفي خطأ ، ولا بد أن يكون الحق معك في الجزئيات وفي التفاصيل وفي الكليات ، ولا بد أن أكون مخطأً في الصغيرة وفي الكبيرة ، هذا يأتي من أين ؟ يأتي من رؤية النفس ، يأتي من حب الإنتصار للذات ، يأتي من الأنانية البغيضة والحسد المقيت ، ولهذا رأينا سورة صاد تختم بالحديث عن تمرد إبليس عن السجود لآدم عليه السلام ، بدافع الكبرياء والحسد ، ليحذر المؤمنون هذه الخليقة .
نحن كمسلمين ليست لدينا خيارات واسعة ومفتوحة بلا نهاية ، عندنا قرآن وعندنا سنن المصطفى عليه الصلاة والسلام وعندنا كليات هذا الإسلام ، فإذًا عندنا الوسائل والمهيئات التي تسمح لنا بأن ننظر إلى الأمور نظرًا موزونًا بموازين الشرع ، أي بقوانين العدل والقسط بين الناس ومع الذات . ولكن الكافرين لا يملكون هذا ، لماذا ؟ لأن رفضوا بالدينونة لله تبارك وتعالى ، فلمجرد أن ترفض دينونتك لله بمجرد أن ترفض قبول العبودية لله فأنت حينئذ سوف تُستعبد لنفسك دون ريب ، ولهذا فإن الشقاق والاختلال والتخاصم والتعالي والتقاتل من صفات الكفر الملازمة له بل المحيطة به من كل جانب . انظروا إلى معسكر الشرك والضلال .. منذ أن برأ الله الناس إلى اليوم تجدون الناس لمجرد أن يتزحزحوا عن قواعد الإيمان يدخلون فورًا في متاهات الشقاق والخلاف ، في الدولة الواحدة في الأمة الواحدة في الشعب الواحد حينما لا توضع شرائع الإسلام وقواعد الشرف وتوجيهات القرآن الكريم والتعاليم الربانية موضع التطبيق فإن الثمرة التي تُقطف من جراء ذلك نزاع وشقاق لا ينتهيان بحال من الأحوال ، تلك هي ثمرة طبيعية ومهما يكن من مظهر التحزب والاجتماع الذي يكون بين الكافرين في الأمة الواحدة والكيان الواحد وفي الأمم المتعددة والكيانات المختلفة فلعلينا كمؤمنين ومسلمين ـ وهذه هي فائدة النص هنا على هذه الخليقة ـ علينا أن لا ننسى أن الشقاق واقع وإن غطت عليه ظواهر الحال ، في معركة الأحزاب حينما استطاع أبو سفيان أن يؤلف زعماء الشرك والوثنية على رسول الله وعلى المؤمنين وهاجموا المدينة وأحاطوا بها إحاطة السور على المعصم ووقع الزلزال والخوف وضاقت الأرض على المؤمنين بما رحبت بل ضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أنهم مأكولون ، في هذه اللحظات الحرجة المصيرية الحاسمة أرسل الله جل وعلا جنوده من الريح وما أشبه ذلك فزلزت معسكر المشركين ، في تلك الساعة ظهرت ظاهرتان تنتميان إلى عنصر واحد هو عنصر الشقاق المستحكم في معسكرات الشرك ، جاء رجل من المشركين إلى رسول صلى الله عليه وسلم مسلمًا ، في الوقت الذي كانت مظاهر الأمور جميعًا تشير إلى أن قوة الإسلام ستمحى خلال لحظات وأن رسول الله والمؤمنين سيبادون خلال لحظات ، جاء رجل يعلن إيمانه ويعلن إسلامه فاستثمر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في التخذيل بين المشركين والتخذيل بين المشركين وحلفائهم من اليهود داخل المدينة ، في تلك اللحظات الحرجة أيضًا وبما أن جحافل الشرك ليست بينها روابط أبدية دائمة كالربائط القائمة بين المؤمنين والتي هي روابط في الله أي الروابط المصيرية المؤبدة بما أن هذا وصف المشركين فإن أبا سفيان نسي ما أعطى من تعاهدات للقبائل التي جاءت معه ، وحين رأى أن الجو اكفهر وأن موازين القوى بدأت تميل لغير صالحه ركب ناقته وقال: يا معشر العرب إني مرتحل فمن شاء يرتحل فاليرتحل ، لم يعقد مجلسًا لأركان الحرب ولم يؤخذ رأي وجوه القبائل التي جاءت بتعاقد وتحالف لكي تفتك بالنبي والمؤمنين ، وإنما كانت مبادرة ذاتية من أبي سفيان كان من نتائجها أن الله جل وعلا نثر جنده وهزم الأحزاب وحده .