وهاجر النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة في السنة الثالثة عشرة من بعثته أي سنة (622م) ، ومعنى الهجرة عسكريًا، اجتماع القائد بجنوده، في قاعدتهم الأمينة (10) ، وكان من جملة ما اتخذه الرسول القائد عليه الصلاة والسلام من إجراءات لترصين قاعدته الأمنية في المدينة المنورة، عقد (معاهدة) بين المسلمين من جهة وبين اليهود والمشركين من جهة أخرى، وادعهم فيها وأقرهم على دينهم وأموالهم، وفي هذه المعاهدة نظم الرسول عليه الصلاة والسلام الحياة الاجتماعية والاقتصادية والعسكرية لسكان المدينة المنورة من مسلمين ومشركين ويهود:"... وإن من تبعنا من اليهود، فإن له النصر والأسوة - أي المساواة في المعاملة - غير مظلومين ولا متناصرين عليهم" (11) فأصبح بين اليهود والمسلمين بموجب هذه المعاهدة ارتباط مصيري يلتزم به الطرفان في السلم والحرب، ولا يخرجون عن المعاهدة نصًا وروحًا.
ولكن اليهود الصهاينة القدامى، منذ الأيام الأولى التي ظهر فيها النبيّ عليه الصلاة والسّلام في المدينة المنوّرة، نصبوا له العداء. وانطلقوا بمكرهم يكذبونه ويؤلّبون عليه العرب، ولا يدعون سبيلًا من سُبل الكيد له ولرسالته إلاّ ويسلكونه. وتطيّروا من قدومه إلى المدينة، وغلا الحسد والحقد في قلوبهم، وأخذوا ينظرون إلى الإسلام بعيون متوجّسة خائفة، تخشى رسوخ قدمه، وانتشار دعوته، واجتماع الأوس والخزرج تحت لوائه، بعد ذلك العداء الدموي الطويل، الذي كانوا يستغلونه فيحققون به لأنفسهم كثيرًا من المصالح والمكاسب والامتيازات الاقتصادية، ولم يقتصروا على التجارة وحدها باعتبارهم يتمركزون في أهم عُقد طريق المواصلات التجاري، بين مكة التي تتصل باليمن والهند، ويعمل أهلها بالتجارة في رحلة الشتاء والصيف، وبين بلاد الشام وأرض الروم، وهي من أهم الطرق التجارية العالمية في حينه، بل شمل نشاطهم الزراعة أيضًا، فسيطروا على أفضل مزارع النخيل في المدينة ووادي القرى وخَيْبَر، فتهددت مصالح اليهود بالإسلام الذي حلّ في المدينة وشيكًا.
2 -وبدأت مكائدهم تَتْرى:
فكانت المكيدة الأولى التظاهر بالدخول في الإسلام نفاقًا، ليعملوا على تخريبه من الداخل، وليطلعوا على أسرار المسلمين وينقلوها إلى جماعاتهم وحلفائهم.
وكانت المكيدة الثانية محاولة الدخول في الإسلام، ثمّ الخروج منه، ليفتنوا بعض المسلمين عن دينهم، فيرتدوا مثلهم.
وكانت مكيدتهم الثالثة في إحراج الرسول عليه الصلاة والسّلام بسيل من الأسئلة المحرجة، التي يُلبسون فيها الحق بالباطل، لعلهم يوهمون العرب أنهم أعلم من الرسول عليه الصّلاة والسلام.
والمكيدة الرابعة في الحرب الدعائية القائمة على الضغط بالتعيير والتنقيص والشتائم لمن شرح الله صدره للإسلام، فأسلم، كما جرى بالنسبة لأحد أحبارهم الذي أسلم. وهو عبد الله بن سلاّم، الذي كان من أكبر أحبارهم، وعالمًا بالتوراة، فنقم عليه اليهود نقمة شديدة بسبب إسلامه، وكالوا له الاتهامات الكاذبة ظلمًا وعدوانًا.
أما المكيدة الخامسة فهي الغدر ونقض العهود والمواثيق التي يبرمونها بينهم وبين المسلمين، كلما اشتدت الأزمات على المسلمين، وظنوا أنّ نقض عهودهم والغدر بالمسلمين قد يوقع بالرسول عليه الصلاة والسّلام وبالمسلمين أذى شديدًا.
والمكيدة السادسة في الهزء والسخرية والطعن في الإسلام، كلما سنحت الفرصة لهم بذلك، بغية الصدّ عن اعتناقه، وإضعاف حماسة المسلمين له، إذ يحذرُ ضعفاؤهم من هجمات حرب الهزء والسخرية والطعن والتجريح.
والمكيدة السابعة في الحرب الاقتصادية، بإيجاد نوع من الضغط المالي على المسلمين، حتى ينفضوا عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
والمكيدة الثامنة، هي التفريق بين المسلمين، وتشقيق وحدة جماعتهم، لضرب بعضهم ببعض، وإضعاف قوتهم.
والمكيدة التاسعة في فرض ألوان من الحرب بالإعلام والقتال، ومحاولة اغتيال رسول الله عليه الصلاة والسلام.
والمكيدة العاشرة في تأليب القبائل العربية التي لم تدخل في الإسلام، على رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين معه، وتحريضهم على قتالهم، وتوهين أمر المسلمين في نفوسهم.
والمكيدة الحادية عشرة هي في الاتفاقيات السرّية بينهم وبين القبائل المعادية للمسلمين التي اشتبكت معهم في معارك حربية، وذلك بالاتفاق معهم على أن ينصروهم ويغدروا بالمسلمين، بينما كان المسلمون غافلين عنهم واثقين بأمانهم، مصدّقين عهودهم ومواثيقهم.
إلى غير ذلك من مكائد عرف بها يهود في تاريخهم، فهي من خصائصهم الخلقية التي لا يستطيعون التخلي عنها.