وهى خلافة ، وهى حضارة معتنى بها من الله منذ البداية . { فإما يأتينكم منى هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون } 38 البقرة . وهى خلافة ، وهى حضارة ممدود لها الحبل في عدالة الله إلى يوم آجل { ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلا مقتا ، ولا يزيد الكافرين كفرهم إلا خسارا } 39 فاطر. { ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون . } 14 يونس .
ومن هنا يحق لنا أن نقول إن الحضارة كانت هي المقصد الذي من أجله أنزل الله الإنسان إلى الأرض ، لتكون إبداعًا إلهيا: كالفلك ، والشمس ، والقمر ، والأرض والنهر ، والزهرة . وكالغابة . وكبيت النمل . وكعش النحل . هو إبداع من إبداعات الله تعالى ، خلق الله من أجله الأرض والدنيا، وأنزل فيهما الإنسان .
لا يؤثر في كونه إبداعًا لله أن كان الإنسان مكلفا بإقامته ، أو بعبارة أدق: أن كان الإنسان باختياره عنصرًا فعالًا في إقامته . لأن كون الإنسان عنصرًا فعالًا وبإرادته في مكونات هذا الإبداع هو نفسه إبداع من إبداعات الله سبحانه وتعالى ، ظهر بإرادته وقدرته وكرمه .
ومن هنا كان وجود الشيطان ـ أيضًا ـ على مشارف الحضارة ودخائلها عنصرًا فعالًا في إقامتها من حيث إنه يدعم مبدأ تكوين الإنسان المسئول ، ويؤكد دور الإنسان المختار . الشيطان يتعرض للإنسان بالوسوسة ، فيتغلب الإنسان على وسوسة الشيطان ـ أو ينهزم ـ فيستقيم أو يظهر دور الإنسان الفعال المختار المسئول . { إن كيد الشيطان كان ضعيفًا } 76 النساء ، تمامًا كما كان كيد أعداء يوسف ـ وهم أعداء له يسعون إلى موته وتأثيمه وسجنه الخ ـ يمضون بإرادتهم في مشروعهم ، ولكنهم في نفس الوقت يمضون ـ وبكيد الله ـ في إقامة القدر النافذ الذي أراده الله: ليوسف { وكذلك مكنا ليوسف في الأرض . } 21 يوسف { ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين . } 30 الأنفال { إنهم يكيدون كيدا ، وأكيد كيدا }
ومن هنا كانت أهمية"لا إله إلا الله"باعتبارها شرطًا في تحقيق التكليف الأكبر بإقامة"الحضارة".
ألم يقل محمد رسول الله r { وجعلت لي الأرض مسجدًا .. } متفق عليه وقال الله تعالى: { وأن المساجد لله .. } 18 الجن ، إذن - وبقياس منطقي - فهي الأرض لله . وهى إذن - وبقياس منطقي أيضًا -: الحضارة ( الأرض + الإنسان + الزمن ) لله .
وأن الحضارة لله .
ومن هنا كان الرفض القاطع للشرك . فهو ـ أي الشرك ـ لا يعنى إهدارًا للإنسان الذي يتجه لغير الله فحسب. ولكنه يعنى إهدارًا للمشروع الأكبر"للحضارة"إذ تتجه لغير الله . أية حضارة تتجه لغير الله فهي فوق أنها حضارة مشركة هي أيضًا حرب على المشروع الذي يضعه الله ( للإنسان والأرض والزمن ) أي للحضارة .
لابد من"لا إله إلا الله"لتكون الحضارة"لله"حسب المشروع الإبداعي ، والتكليف الإلهي فإذا لم تكن كذلك كانت انحرافًا عن الحضارة الإلهية المرادة أصلًا. انحرافًا إلى مشروع آخر ينظر إلى وجوده ـ كما ننظر إلى الشيطان أو إلى عصيان ما ـ باعتباره تأكيدًا لكينونة المشروع الأصلي ، أي ليكون المشروع ـ حسب التصميم الموضوع له ـ قائما باختيار الإنسان ومسئوليته حسب تكليف صاحب المشروع .
ومع ذلك تصبح الحضارة"لغير الله"تأكيدًا للحضارة التي هي"لله"من حيث كون الأخيرة قد قامت رغم كيد الأولى ، أي انها قامت - وفقا للمشروع - باختيار الإنسان ، ، في نفس الوقت الذي تكون فيه تلك الحضارة: حضارة غير الله"نوعا من الاعتداء على الحضارة التي هي لله ."
تمامًا كما ينحرف أحد المنفذين لمشروع هندسي عن إرادة صاحب المشروع ـ ليقيم مشروعًا آخر ـ عمارة بدلًا من بيت ، أو كوبري بدلًا من شارع ـ ليتأكد بظهوره هكذا - موضوعيا - أن الآخر الذي التزم إنما التزم باختيار وإرادة .
وبنفس القدر كانت أهمية"… رسول الله"كعنصر أساسي لقيام الحضارة . أهمية"محمد رسول الله"ومن قبل مبعثه: عيسى رسول الله ، موسى رسول الله ، إبراهيم رسول الله ، نوح رسول الله .. إلخ . لأنه بعد أن ترتبط الحضارة بكونها لله وحده ، كان لابد من رسول يبين ما هو"لله"، وما هو"لغير الله". رسول من صاحب المشروع مبين للمشروع . وبيان الرسول الذي يأتي هو شريعة الله سبحانه . وفي شريعته تأتى الملامح والمواصفات الأساسية للمشروع المطلوب. وكان لابد أيضًا من أن يأتي الرسول بحيث يمكن تصديقه ويمكن تكذيبه: ليقوم الإنسان بالمشروع مختارًا غير مقسور وفقا لأصول المشروع نفسه . غير مقسور كالنحل في مشروعه . غير مقسور كالنمل في مشروعه . غير مقسور كالقمر في مشروعه .
شريعة الله هي"كتالوج"المشروع الذي بغيره لا يكون المشروع لصاحبه . بغيره لا تكون الحضارة لله .
ولقد وضع مشروع الحضارة على الأرض وفقا لأركان ثلاثة من عناية الله: العلم ، والعمل ، والإيمان .