ولهذا أعد آدم منذ البداية وجهز بهذا العلم . { اقرأ باسم ربك الذي خلق ، خلق الإنسان من علق ، اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم . } سورة العلق
{ وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم } 31 ـ 32 البقرة . وتعليم الأسماء هو في بعض وجوهه تعليم عملي ، لأنه تعليم لا من أجل العلم بالأشياء في حد ذاتها ، ولكن من أجل"التعامل مع الأشياء".وهذا العلم ـ العلم العملي ـ هو جوهر بناء الحضارة .
يقول تعالى: { كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته ... } 29 ص لم يقل ليتأملوا ، وما تدبر آياته ؟ إتباع بعمل . { يا أيها الذين آمنوا لم تقولون مالا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون .} 3 الصف ( اللهم إنى أعوذ بك من الأربع . من علم لا ينفع وقلب لا يخشع ، ونفس لا تشبع ودعاء لا يسمع . ) أخرجه الحاكم في مستدركه وصححه .
وفي الأثر: ( من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم ) ذكره ابن كثير في تفسيره لسورة اقرأ ، وذكره أبو نعيم في الحلية مرويا عن أنس عن الرسول صلى الله عليه وسلم
يقول عيسى بن مريم عليه السلام فيما يروى عنه في الآثار الإسلامية: ( إلى متى تصفون الطريق إلى الدالجين وأنتم مقيمون مع المتحيرين ؟ إنما يبتغى من العلم القليل ومن العمل الكثير . ) ومن أقواله أيضا ( إن الزرع لا يصلح إلا بالماء والتراب ، كذلك لا يصلح الإيمان إلا بالعلم والعمل ، ويلكم يا عبيد الدنيا إن لكل شيء علامة يعرف بها وتشهد له أو عليه ، وإن للدين ثلاث علامات يعرف بهن: الإيمان والعلم والعمل . ) انظر اقتضاء العلم العمل للبغدادى ص68 . وعن سهل بن عبد الله التستري ( الناس كلهم سُكارى إلا العلماء ، والعلماء كلهم حيارى إلا من عمل بعلمه . ) وقال أبو سعيد الخراز ( العلم ما استعملك ، واليقين ما حملك . ) أى على الفعل ، وعن ابن المنكدر قال: ( العلم يهتف بالعمل ، فإن أجابه حلّ وإلا ارتحل . ) ، ويقول ابن عبد ربه ( العلم علمان: علم حمل ، وعلم استعمل ، فما حمل منه ضر ، وما استعمل منه نفع ) . ويعرِّف ابن فورك ـ من المتكلمين ـ العلم ( بأنه ما يصح ممن قام به إتقان الفعل . ) وعن أبى الدرداء ( إنك لا تكون عالما حتى تكون متعلمًا ولا تكون بالعلم عالمًا حتى تكون به عاملًا . ) .
وينضم إلى ركني العلم والعمل في المشروع الإلهي للحضارة على الأرض: ركن الهداية بالايمان .
ذلك أنه إذا كان العلم حظا مبذولًا للجميع ( علّم الإنسان ما لم يعلم..) فإن العلم وحده لا يكفي ، وبعبارة أخرى: العلم الذي يرشح لابتناء العمل عليه ـ هذا العلم وحده لا يكفي .
لابد من الهداية ، وهى لا تعطى كما يعطى العلم ـ للجميع ـ وإنما تعطى لمن يتعرض لها بالإيمان والتسليم . لأن التسليم شرط بديهي في قبولها. { قل إن هدى الله هو الهدى . } 120 البقرة . { إن علينا للهدى .. } 12 الليل . { من يهد الله فهو المهتد . } 97 الإسراء . { وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله . } 43 الأعراف . { وإن اهتديت فبما يوحي إلىّ ربي . } 50 سبأ . ( والله لولا الله ما اهتدينا .. ) أخرجه البخاري في صحيحه
ولذلك كان أنفع الدعاء وأعظمه ـ كما يقول ابن أبى العز في شرحه للعقيدة الطحاوية ـ دعاءُ الفاتحة ( اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين . )
إن العقل المتعلم ـ المستقل عن الهدى ـ يمكنه أن يصل إلى شيء من الظن ، لكنه لا يصل مستقلًا إلى شيء من الهدى الذي تشعر فيه النفس بالطمأنينة والسكون واليقين . إن الفلسفات والعلوم التجريبية التي يصل إليها العقل مستقلًا خاضعةٌ لما تخضع له عقولنا من النسبية والنقصان . لذلك فإن ما نصل إليه اليوم من علم يظهر لنا نقصُه غدًا ، وما نزال نكتشف بتقدم البحث جهلنا ، وهزال معارفنا ، وحاجتنا إلى الهدى واليقين الذي لا تفرزه عقولنا .
في ظل العلوم التجريبية والفلسفات الناقصة يتقدم العلم التجريبي ، ويطرد الحصول على منافع الدنيا ، لكن الإنسانية في عملية بناء الحضارة لابد لها من أهداف ثابتة واضحة راسخة على مدى القرون ، وإلا كان ضلالها عن أهدافها لا يمكن تلافيه أو البرء منه .
والعلوم النسبية تضل دائمًا عن الأهداف البعيدة الراسخة . فهذا ليس من شأنها ولا يمت إلى قدرتها بسبب ، ومن هنا كان الإنسان"حيوان الحضارة"بحاجة إلى مصدر خارجي يهديه إلى هذه الأهداف ويرسم لها الطريق: ( الصراط المستقيم . )