ومن اليقين أن كل الأنبياء قد انتصروا"إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ" (غافر:51) "وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ" (الروم: من الآية47) ، فكل نبي قد انتصر، وانتصاره في ثباته على منهجه، في اطراده، في التزامه بالأصول والمنطلقات التي يدعو إليها، هذا هو الانتصار الحقيقي، فإن تحقق بعد ذلك استجابة الناس فهو انتصار، إن تحقق الملك فهو انتصار، لكن أعظم الانتصارات انتصار المنهج وما بعده نافلة.
فما أحوجنا إلى هذه العوامل المهمة من أجل أن نحقق الانتصار لأنفسنا وأمتنا في العاجل والآجل، إننا بحاجة إلى محاسبة النفس وإلى نقد الذات بصدق وصراحة، لماذا لم ننتصر؟ ولماذا لم تنتصر الأمة مع ما قدمته من جهود جبارة في تاريخها، منذ سبعين سنة ونحن نرى الجماعات الإسلامية، ونرى المؤسسات الإسلامية، وقد بذلت جهودًا مشكورة لا تنكر، وقدمت تضحيات أصبحت مضرب المثل في التاريخ فداء لدينها وعقيدتها، ولكننا نلحظ أنها لم تحقق الانتصار، لا الانتصار في المنهج، ولا الانتصار على ظهر الواقع، لماذا؟
لأنها لم تتكامل فيها مقومات الانتصار التي أخذ بها يوسف _عليه السلام_، ومحمد - صلى الله عليه وسلم - عندما سأل هرقل أبا سفيان، قال: هل أتباعه يزيدون أم ينقصون، قال: يزيدون، قال: وهكذا الأنبياء حتى يكتملوا، وهكذا أيضًا الدعاة وهكذا الجماعات، هل تزيد أفرادهم أو ينقصون، بعض الجماعات أفرادها ينقصون، يزيدون في مدة من الزمن ثم ينقصون بعد ذلك، فمن أسباب عدم الانتصار عدم توافر هذه المقومات في سيرة الداعية أو سيرة تلك الجماعة أو سيرة الأمة، وبعد ذلك نأتي ونقول: لماذا لم ننتصر؟"أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ" (آل عمران: من الآية165 ) ) .."وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ" (الروم: من الآية47) "إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ" (غافر:51) "حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ" (يوسف: من الآية110) .
آيات الانتصار صريحة وواضحة، والله لا يخلف وعده، إذن الخلل في أنفسنا، سواء أكان فردًا أو كان جماعة أو مؤسسة أو مجتمعًا، فإذا لم تحقق الانتصار فاسأل نفسك، ارجع إلى الكتاب والسنة،"تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدًا كتاب الله وسنتي"، لو أننا التزمنا بهذا لحققنا الانتصار العظيم في العاجل والآجل، فيا أيها الداعية، أيها العالم، أيها المسلم، التزم بهذه المقومات التي أشرت إليها في سيرة يوسف لتحقق الانتصار في العاجل والآجل _بإذن الله_ إذا انتصرت على نفسك وعلى شهواتك وعلى رغباتك وعلى هواك، إذا كان منهجك سليمًا بعيدًا عن البدع ومحدثات الأمور، إذا لم تستعجل، إذا لم تتنازل، إذا لم تيأس، أو تقنط، فأبشر فإن وعد الله لا يتخلف"إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ" (يوسف: من الآية90) ، أسأل الله أن يحقق لهذه الأمة الانتصار الذي نرجوه لها على أيدي علمائها ودعاتها ومؤسساتها، وأسأل الله أن يقر أعييننا برفع راية هذا الدين وراية الجهاد في سبيل الله لتنتصر على أعدائها لا بالأماني ولكن بالحقائق.