فهرس الكتاب

الصفحة 14644 من 27345

فالشارع الحكيم يحرص على رعاية النسل داخل الأسرة، فهذا حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم:"ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه" (5) يؤكد حقيقة ثابتة وهي أن الطفل يولد وهو لا يفقه شيئا في هذا الوجود،"والأسرة هي النظام الاجتماعي الوحيد الذي يأخذ على عاتقه مسؤولية تحويل الحيوان الإنساني الصغير إلى مخلوق آدمي" (6) ، حيث يختلف صغير الإنسان عن غيره من الصغار في نموه البطيء، وشدة احتياجه إلى من يرعاه على الأقل حتى سن الخامسة الرعاية الجسدية والصحية، أما التنشئة الاجتماعية والتي يقصد بها"تلقين الطفل اللغة والعادات والتقاليد وآداب السلوك وقواعد الدين والعرف، وهي الجسر الذي يصل بين الفردية الخالصة والمجتمع" (7) ؛ فهي تطول حتى يلمس الوالدان مقدرة نسلهما على التفاعل الاجتماعي، والتكيّف مع الحياة بالصورة الصحيحة.

وهكذا تتعدد وظائف الأسرة (8) بين إنجاب الأولاد الشرعيين، ثم رعايتهم منذ الولادة والعناية برضاعهم وحضانتهم،كما سيتبين لاحقا، والإنفاق عليهم في الملبس والمعيشة عموما، ليأتي بعدها دورهما المشترك عندما يكبر؛ بالتربية للمحافظة على الفطرة السليمة، وتنمية قدرات الأولاد المتعددة، وتهيئتهم استعدادا للتفاعل مع المجتمع.

وهذا لقمان الحكيم ينصح ابنه كما يذكر ذلك القرآن الكريم في قوله تعالى:"يا بنيَّ أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر، وأصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور، ولا تصعر خدك للناس، ولا تمش في الأرض مرحا إن الله لا يحب كل مختال فخور، وأقصد في مشيك وأغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير" [لقمان: 17-19] .

فهذه النصائح هي مفتاح التعامل الصحيح مع أفراد المجتمع لتنشئتهم تنشئة بنّاءة، فهذه القواعد هي التي تبني الإنسان الفعال؛ الذي تهيئه الأسرة للاستخلاف وعبادة الله تعالى، وأن يكون ممن ينشد المصطفى صلى الله عليه وسلم أن يكثروا أتباعه يوم لا ينفع مال ولا بنون، إلا العمل الصالح؛ هذا العمل الذي لا ينشأ من فراغ، بل إن التربية على الأخلاق والمبادئ الإسلامية هي قوامه وعمدته.

ورغم كون حق النسل في انتسابه لأبويه من الطبائع المجبول عليها لدى الإنسان، فإن الشارع قام بتقويمها وتحديد ضوابطها، لما لها من أهمية في قيام الكيان الأسري،"فحفظ النسب الراجع إلى صدق انتساب النسل إلى أصله سائق النسل إلى البر بأصله، والأصل إلى الرأفة والحنو على نسله" (9) .

وتتحدد أسس الرأفة والحنو برضاعة الوليد وحضانته في السنوات الأولى (من الميلاد إلى الصبا) ، ورعايته وتربيته في السنوات التالية التي ينشأ فيها ويترعرع، حيث"يقوم الآباء بأداء هذا الواجب الضروري؛ إما بمقتضى وازع الفطرة الإنسانية الذي يغني عن القوانين والسلطان، وإما بوازع الدين الذي يزع النفوس عن التهاون بحدود الشريعة، وإما بوازع السلطان صاحب القهر والصولجان" (10) .

فرعاية النسل، والحفاظ عليه حتى يبلغ أشده ويقوم بأداء واجبه اتجاه خالقه، وأمته، تتحقق داخل المحيط الأسري؛ لأن الأسرة هي الكفيلة بتهيئة المناخ الذي يحقق مصالح النسل في حفظه ورعايته وتربيته وتنشئته، ومن ثمة تتحدد للأسر (11) ة وظائفها، الأمر الذي بيّنته نصوص الشريعة في مثل قوله تعالى:"وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف" [البقرة:233] ، وذلك تحديدا للوظيفة الأولى للأب في توفير الرزق والكسوة، وهذه وظيفة الأب الأولى، أما وظيفة الأم فقد تحددت في مثل قوله تعالى:"والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين" [البقرة:233] ، وقوله تبارك وتعالى:"حملته أمه كرها ووضعته كرها" [الأحقاف: 15] ، وقوله تعالى:"حملته أمه وهنا على وهن" [لقمان: 14] ، فوضحت هذه الآيات الكريمة المهام الرئيسة للأم والمتمثلة في الحمل والرضاع والحضانة؛ حيث تعد الرضاعة والحضانة قاعدتين أساسيتين للتربية عموما؛ لأن الطفل يولد وهو لا يقوى على شيء، قال تعالى:"وخلق الإنسان ضعيفا" [النساء: 28] ، وقال تبارك وتعالى أيضا واصفا مراحل حياة الإنسان:"الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة يخلق ما يشاء وهو العليم القدير" [الروم: 54] . هذا الضعف لا يمكن للإنسان وهو وليد أن يدفع به عن نفسه؛ فلا يقوى على ذلك إلا بمعونة والديه اللذين تكفلا بذلك شرعا وعرفا، بل وعادة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت