فهرس الكتاب

الصفحة 20961 من 27345

وَلمَّا عَلِمَ الصحابةُ بذلك وعاصروا رَسولَ اللهِ وَعَايَشُوهُ ، وَلامَسُوا نُزُولَ الوَحيِ عَلَيهِ ، وَجَاهَدُوا مَعَهُ وَصَحِبُوهُ حَضَرًا وَسَفَرًا ، وَعَلِمُوا مَن هُوَ رَسُولُ اللهِ حَقًّا وَصِدقًا ، كانت محبَّتُهُم له أَشَدَّ وَأَقوَى ، وَتَوقِيرُهُم له أَكمَلَ وَأَوفى ، وَتَعزِيرُهُم له أَسمى وَأَعلى ، أَحَبُّوهُ حُبًّا فَاقَ كُلَّ حُبٍّ ، وَوَدُّوهُ مَوَدَّةً غَلَبَت كُلَّ مَوَدَّةٍ ، فَآثَرُوهُ على النَّفسِ وَالوَلَدِ ، وَقَدَّمُوهُ على الآباءِ وَالأُمَّهَاتِ ، وَأَرخَصُوا مِن أجلِهِ الزَّوجَاتِ وَالضَّيعَاتِ ، وَفَارَقُوا لِصُحبتِهِ العَشَائِرَ وَالأَوطَانَ ...

وَهَجَرُوا المَسَاكِنَ وَالبُلدَانَ ، ووَدُّوا لو لم يُفَارِقُوهُ لحظَةً وَاحِدَةً ، وَضَرَبُوا في ذلك مِنَ الأَمثِلَةِ أَروَعَهَا ، وَسَجَّلُوا فِيهِ مِنَ المَوَاقِفِ أَصدَقَهَا ، وَكَانَت لهم مَعَهُ قِصَصٌ افتَخَرَ التَّأرِيخُ وهو يَروِيها ، وَابتَهَجَت كُتُبُ المَغَازِي وَالسِّيَرِ وهي تحكيها ، وَقَد كانت محبَّتُهُم له ـ صلى اللهُ عليه وسلم ظاهِرَةً لِلعيانِ ، أَدهَشَتِ العُقَلاءِ مِن أَعدَائِهِ ، فَشَهِدُوا بها وَأَبدَوُا استِغرَابَهُم منها ..

فها هو عُروَةُ بنُ مَسعودٍ الثَّقَفِيُّ ، وَقَد أَوفَدَهُ المُشرِكُونَ لِلتَّفَاوُضِ مَعَ رَسُول اللهِ في صُلحِ الحُدَيبِيَةِ ، يَقُولُ وقد عاد إلى أصحابِهِ: أَيْ قَومُ ، واللهِ لَقَد وَفَدْتُ على المُلُوكِ ، وَوَفَدْتُ على قَيصَرَ وَكِسرَى وَالنَّجَاشِيِّ ، واللهِ إِنْ رَأيتُ مَلِكًا قَطُّ يُعَظِّمُهُ أَصحَابُهُ مَا يُعَظِّمُ أَصحَابُ محمَّدٍ محمَّدًا ، واللهِ إِنْ تَنَخَّمَ نُخَامَةً إِلاَّ وَقَعَت في كَفِّ رَجُلٍ مِنهُم ، فَدَلَكَ بها وَجهَهُ وَجِلدَهُ ، وَإِذَا أَمَرَهُم ابتَدَرُوا أَمرَهُ ، وَإِذَا تَوَضَّأَ كادُوا يَقتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ ، وَإِذَا تَكَلَّمَ خَفَضُوا أَصوَاتَهُم عِندَهُ ، وَمَا يُحِدُّونَ إِلَيهِ النَّظَرَ تَعظِيمًا لَهُ ... رواه البخاريُّ ..

وَأَخرجَ الطبرانيُّ عن عائشةَ ـ رضي اللهُ عنها ـ قالت: جاء رجلٌ إلى النبيِّ ـ صلى اللهُ عليه وسلم ـ فقال: يا رَسولَ اللهِ ، إِنَّكَ لأَحَبُّ إِليَّ مِن نَفسِي ، وَإِنَّكَ لأَحَبُّ إليَّ مِن وَلَدِي ، وَإِني لأَكُونُ في البَيتِ فَأَذكُرُكَ فَمَا أَصبِرُ حتى آتِيَ فَأَنظُرَ إِلَيكَ ، وَإِذَا ذَكَرتُ مَوتي وَمَوتَكَ عَرَفتُ أَنَّكَ إِذَا دَخَلتَ الجنةَ رُفِعتَ مَعَ النَّبِيَّينَ ، وَإِني إِذَا دَخَلتُ الجنةَ خَشِيتُ أَلا أَرَاكَ ، فَلَم يَرُدَّ عليه النبيُّ ـ صلى اللهُ عليه وسلم ـ شَيئًا حتى نَزَلَ جبريلُ ـ عليه السلامُ ـ بهذِهِ الآيةِ: \"وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنعَمَ اللهُ عَلَيهِم مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا \"رَضي اللهُ عن هذا الصحابيِّ ما أبينَ محبَّتَهُ وَأَوضَحَ مَوَدَّتَهُ ! محبَّةٌ يُفَضِّلُ بها رَسولَ اللهِ على كُلِّ غالٍ ، وَمَوَدَّةٌ تجعلُهُ يَتَمَلمَلُ في بيتِهِ وبينَ أبنائِهِ ، فلا يَرتَاحُ حتى يَرَاهُ ، وَلَيسَ هذا وَكَفَى ، بَل تَفكِيرٌ يَتَعَدَّى حُدُودَ الدنيا ويَتَجَاوَزُها إلى الآخِرَةِ ، يخافُ معَهُ أن يُحرَمَ رؤيتَهُ في الجنةِ ، فأيُّ حُبٍّ هذا الذي مَلَكَ عليه دُنيَاهُ وآخرتَهُ ؟!

وَمِنَ المَوَاقِفِ التي ظََهَرَ فيها صِدقُ المحبَّةِ وَالمَوَدَّةِ ، ما رواه ابنُ إسحاقَ عن عائشةَ ـ رضي اللهُ عنها ـ أنها قالت: كان لا يُخطِئُ رَسولَ اللهِ أَن يَأتيَ بَيتَ أَبي بَكرٍ أَحَدَ طَرَفَيِ النهارِ ، إِمَّا بُكرَةً وَإِمَّا عَشِيَّةً ، حتى إذا كان اليَومُ الذي أَذِنَ اللهُ فِيهِ لِرَسُولِهِ بِالهِجرَةِ وَالخُرُوجِ مِن مكةَ مِن بَينِ ظَهرَي قَومِهِ ، أَتَانَا رَسولُ اللهِ بِالهَاجِرَةِ ، في ساعةٍ كان لا يَأتي فِيها . قالت: فَلَمَّا رآه أَبو بكرٍ قال: ما جَاءَ رَسولُ اللهِ في هذِهِ الساعةِ إِلاَّ لأَمرٍ حَدَثَ .

قالت: فلمَّا دَخَلَ تَأَخَّرَ له أَبو بكرٍ عن سَرِيرِهِ ، فَجَلَسَ رَسولُ اللهِ ، وَلَيسَ عِندَ رَسولِ اللهِ أَحَدٌ إِلاَّ أَنا وَأُختي أَسماءُ بِنتُ أَبي بكرٍ ، فقال رسولُ اللهِ: أَخْرِجْ عني مَن عِندَكَ . قال: يا رَسولَ اللهِ ، إِنَّمَا هُمَا ابنَتَايَ ، وما ذَاك فِدَاكَ أَبي وَأُمِّي ؟ قال: إِنَّ اللهَ قَد أَذِنَ لي في الخُرُوجِ والهِجرَةِ . قالت: فقال أَبو بكرٍ: الصُّحبَةَ يَا رَسولَ اللهِ ، قال: الصُّحبَةُ . قالت: فَوَاللهِ ما شَعُرتُ قَطُّ قَبلَ ذلك اليَومِ أَنَّ أَحَدًا يَبكِي مِنَ الفَرَحِ ، حتى رَأَيتُ أَبا بكرٍ يَومَئِذٍ يَبكِي .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت