هذه نظرة الناس في ذلك الزمن إلى الكاتب ذي الخط الحسن الفائق ، واحتفاؤهم به ، واتخاذه مثلًا يحتذى ، وهذا ثمن الخط الجميل ، وإن كان قليلًا في نظرنا اليوم دفع أربعين درهمًا لصفحة واحدة كتبها ابن البواب ، وهو صاحب شهرة ، ونقلها ابن العديم على ورقة قديمة ، ووهبها لكتبي.
ولكن هذا المبلغ في زمنهم يعتبر عاليًا ، يساوي ما يدفع اليوم في الصورة النادرة التي تباع في مزاد عالمي في البلدان الغربية ، فندهش للأقيام التي تُدفَع فيها ، وتعتبر من يشتريها أحيانًا لا يخلو من لوثة في عقله أو جيبه ، أو فيهما معًا .
وهم أحيانًا يذكرون أقيامًا لأمور تخص الخط والكتابة ، وذكرهم لها من باب الاستغراب من ارتفاع المبلغ المدفوع فيها ؛ وكانوا يعتنون بالأقلام والمحابر ، وما يكون معها مكملًا لفن الخط وحسنه، والنص التالي يعطي فكرة عن جانب من هذه الجوانب:
"بيع لعمر بن الحسين الخطاط في تركته آلة الكتابة بتسع مئة دينار إمامية ، من جملة ذلك: دواة بأزهر اشتراها بعض ولد زعيم الدين بن جعفر، صاحب المخزن ، بتسع مئة دينار، وبيع له بالباقي سكاكين وأقلام وبراكر ، وما شاكل ذلك". (5)
هذه هي العدة التي كانوا يتسلحون بها للكتابة ، تعلو قيمتها حسب المادة التي صنعت منها، والخطاط الذي استعملها ، جزء من ثمنها للمعدن الفاخر ، وجزء لملكية الفنان الذي استعملها فترة . وإن ما يعرض من هذه الأشياء في المعارض والمتاحف يدل على عناية وذوق ، ويدل على أنهم أهل فن راق ، وليس عملهم للزينة والمنظر فقط ؛ ولكنه للفائطة والاستعمال قبل ذلك ؛ وجماله ، ونبل المادة المصنوع منها ، تعطي لذة عند الاستعمال وترفع درجة الحماس للعمل وإتقانه ، وإبعاد التعب ، أو الركون إلى الاعتذار أو مبررات الراحة ، وهذا مثل المكتب الجميل ، والكرسي المريح في زماننا ، فإنهما يساعدان على رفع معنوية العامل ، ويبعدان عنه التعب ، لأنهما يمدانه براحة جسمية ومعنوية .
أما عن ابن البواب الذي مرّ بنا ذكره فالنص التالي يكشف عن أهميته في فنه:
ورد في ترجمة ابن البَرَفْطي محمد بن أحمد الأنصاري الدَّسكري:
"كان في أول أمره معلمًا ، فلما جاد خطه صار محررًا . وكان يُبالغ في أثمان خطوط ابن البواب ، فحصل له منها ما لم يحصل لأحد غيره، وُجدت عنده أكثر من عشرين قطعة بخطه أرانيها". (6)
هذا يؤكد أن خطوط المشهورين تباع كما تباع التحف ، وبأثمان باهظة ، وهناك من اتخذها تجارة ، ولعله كان يتصيد الشارد منها ، حتى أصبح عنده - كما يقول الراوي - مجموعة منها .
وفي موضع آخر من ترجمة الدسكري يقول ياقوت:"ومات - رحمه الله - في أول رجب سنة خمس وعشرين وست مئة ، وخلف خمسة وعشرين قطعة بخط ابن البواب لم تجتمع في زماننا عند كاتب، وكان يغالي في شرائها". (7)
وكان الخطاط له مريدون ، وينتقل أحيانًا من بلد إلى بلد كما فعل الدسكري عندما سافر إلى دمشق وإلى حلب ثم عاد إلى بغداد ، والنص التالي يرسم بعض النشاط الذي قام به ، ويبدو أن أمثاله يقومون به:
"وابن البرفطي هذا أوحد عصرنا في حسن الخط ، والمشار إليه في التحرير ، قد تخرج به خلق كثير ، وسافر إلى دمشق ، وكتب عليه كتابها ؛ وأقام بحلب مدة مديدة ، ثم عاد إلى بغداد ."
وحفزه السفر إلى تستر صحبة الأمير ابن أبي محمد الحسن ، وأبي عبد الله الحسيني ، ابني الأمير الملك المعظم أبي الحسن علي بن الإمام الناصر لدين الله أبي العباس أحمد أمير المؤمنين ، لما ولاهما أرض خوزستان بعد موت أبيهما أبي الحسن علي ، تقدم إلى ابن البرفطي بالخروج في خدمتهما ، والسكون في جملتهما ليكتبا عليه ، ويصلحا خطهما به ، ويكون معلمًا لهما". (8) "
الهوامش:
(1) معجم الأدباء: 16/16، ترجمة: عمر بن أحمد (ابن العديم) .
(2) معجم الأدباء: 16/12، ترجمة: عمر بن أحمد (ابن العديم) .
(3) معجم الأدباء: 16/42، ترجمة: عمر بن أحمد (ابن العديم) .
(4) معجم الأدباء: 16/45، ترجمة: عمر بن أحمد (ابن العديم) .
(5) معجم الأدباء: 16/60، ترجمة: عمر بن الحسين الخطاط.
(6) معجم الأدباء: 17/280، ترجمة: محمد بن أحمد الأنصاري الدسكري .
(7) معجم الأدباء: 17/278، ترجمة: محمد بن أحمد الأنصاري الدسكري .
(8) معجم الأدباء: 17/279، ترجمة: محمد بن أحمد الأنصاري الدسكري .