والمناسبة بين الآيتين واضحة جليّة, فإنّ سياق الآيتين حديث عن قضيّة مهمة وهي قضية الخول والأتباع, وأنّه لا حجة لهم عند الله تعالى بكونهم كانوا مستضعفين في قوّتهم وعقولهم, رضوا لأنفسهم بالتسليم, وتعليق ما هم عليه من الكفر والضلال على مشجب أسيادهم, رافعين عن أنفسهم التهمة, واجدين لها العذر والحجّة, وهي حجّة تتكرّر على مرّ الأزمان والدهور, يقولها الناس بصيغ متعدّدة وبألفاظ متباينة لكنّها تدور على معنىً واحد وهو: {كنّا مستضعفين في الأرض} , والله تعالى قد قطع هذه الحجّة في الدنيا وقطعها في الآخرة, أمّا في الدنيا فإنّ الله تعالى قد أهلك أتباع الفراعنة والطواغيت مع أسيادهم, ولم يستثنهم من العذاب والهلاك, قال تعالى عن فرعون: {فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليمّ} القصص40. ودمّر صنيع الآمر والمأمور قال تعالى: {ودمّرنا ما كان يصنع فرعون وجنوده وما كانوا يعرشون} ، وأمّا في الآخرة فكما هو قوله سبحانه وتعالى في هذه الآية التي بين أيدينا , وكما في غيرها من الآيات الكثيرة.
وقد ذكر الإمام ابن القيّم رحمه الله تعالى في كتابه (طريق الهجرتين) مراتبَ المكلّفين, وذكر مرتبة من هذه المراتب هي مرتبة بهائم البشر من المقلّدين للكفّار والطواغيت, يُرجع إليها لأهمّيتها.
والآيات في هذا الباب فيها التحذير من التقليد, ومن عدم استعمال المرء لما وهبه الله تعالى من نعمة العقل والنظر, وفيها الدعوة إلى عدم قَبول الاستضعاف, وإن الاستضعاف والذلّة هي طريق الكفر والضلال, فتبكيت التقليد, أي تقليد أتباع الكفر لأسيادهم فيها الدعوة لتحرّر العقل من أغلاله وتحرّر الإرادة من معوّقاتها, وهذا هو الإنسان لا غير علم وإرادة, وما جاء الإسلام إلاّ لتحريرهما من الأغلال والقيود والموانع, وإنّ تقدّم أي أمّة من الأمم لا يكون إلا بتصويب العلم وتحرير الإرادة, وصدق الشافعيّ رحمه الله تعالى حين مدح نفسه بأنّه يرى المذلّة كفرًا كما هو في ديوانه.
وما تَراجُعُ أمّتنا وتخلُّفُها وارتكاستُها في مراتب الذلّ والهوان إلا بسبب الجهل والذي منه التقليد, وبسبب تحطّم إرادتها بقيود الشهوات والأفكار الباطلة كالجبرية والصوفيّة.
ولذلك من مهمّات الدعاة إلى الله تعالى ومن مهمّات الجماعات العاملة لإعادة دين الله تعالى إلى الأرض -إن أحسنوا الطريق- أن ينشروا العلم وينبذوا التقليد, وأن يفتحوا المجال للحركة المبدعة التي تنطلق لتحقيق غايات الإسلام العظيمة.
{وقال الشيطان لمّا قُضِي الأمر} :
لا بدّ من حركة يتصوّرها المرء لتسبق قول الشيطان, إنّها حركة الأتباع والعبّاد له, ذلك أنّهم تشاوروا فيما بينهم واتّفقوا على محاسبته ومطالبته بتنفيذ وعوده, فتدافعوا كالموج يطالبون الشيطان أن يبرر لهم هذا المستقرّ الذي آلوا إليه, وصرخوا بملء أفواههم: أيّها الشيطان... إبليس... أين ما وعدّتنا..؟ أين ما زيّنت لنا..؟ أين ما أقسمت لنا من صدق القول وصواب الحديث إنّهم يصطرخون فيها... ليس صراخًا.. إنّه اصطراخ.
وزيادة المبني تدلّ على زيادة في المعنى, فإمّا أنّهم جرجروه حتّى أقاموه فوق منبر من نار.. وإمّا أنّه تصاغر وأطلق كلماته هذه محاولًا قدر استطاعته أن يُخفي خزيه وعاره, ولم يبقَ له من عذرٍ فقد قُضي الأمر, وآب الناس إلى منازلهم: هو وحزبه إلى النار وحزب الله إلى الجنّة.
{إنّ الله وعدكم الحقّ ووعدّتكم فأخلفتُكم} :
ومثل هذه الآية في المعنى قوله سبحانه: والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن شيئًا حتّى إذا جاءه لم يجده شيئًا ووجد الله عنده فوفّاه حسابه.
فالله قد وعد, ووعده حقّ, وهو القادر سبحانه وتعالى أن ينفّذ وعده, لا يعجزه شيء إذا أراده, ثمّ تفكّر بهذه الصيغ الرحيمة التي ينادي الله تعالى بها عباده في هذه الدنيا, إنّها كلمات الرحمة, أُنظر وتفكّر في قوله سبحانه {قل يا عباديَ الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله. إنّ الله يغفر الذنوب جميعًا, إنّه هو الغفور الرحيم} فتفكّر فيها المرّة تلو المرّة, ثمّ تفكّر أنّ الذي يناديكم بهذه الكلمات هو خالقك وربّك, وهو الغنيّ عن العالمين, لا يزيدون ملكه شيئًا إذا عبدوه, ولا ينقصون ملكه شيئًا لو كفروه, سبحانه ما أرحمه, وما أرأفه, فله الحمد على جميل صفاته.. جلَّ في علاه.