"إنا أرسلناك بالحق بشيرًا ونذيرًا وإن من أُمّة إلا خلا فيها نذير . فإن يكذّبوك فقد كذّب الذين من قبلهم جاءتهم رسلهم بالبيّنات وبالزُّبُرِ وبالكتاب المنير ." [ فاطر: 24ـ25 ]
ويتأكد هذا المعنى في آيات كثيرة وسور أخرى من كتاب الله ، حتى يكون قاعدة رئيسة في التفكير الإيماني والتصور . وتتأكد حقيقة أخرى في كتاب الله هي أن جميع الرسل مسلمون دينهم هو الدين الواحد ، هو الإسلام الذي لا يقبل الله سواه ، وأن المسلمين أمة واحدة على مدى الدهر ، تعبد ربًا واحدًا ، وتدين بدين واحد ، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتسارع في الخيرات ، وأن رحمة الله وفضله يَعُمّان المؤمنين جميعهم ، من الأنبياء والمرسلين ، ومن اتبعهم وصدّقهم . ومن يدرك من أتباع أيّ نبيًّ ورسول نييًّا ورسولًا آخر فعليهم أن يتبعوه ليصدق إيمانهم . وتأتي الآيات الكريمة في كتاب الله لتؤكد هذه الحقيقة:
"إنّ هذه أمتكم أمّة واحدة وأنا ربكم فاعبدون ." [ الأنبياء: 92 ]
"وإنّ هذه أمتكم أمّة واحدة وأنا ربكم فاتقون ." [ المؤمنون: 52 ]
ثم تعرض سورة فاطر خصائص الصادقين المتقين من هذه الأمة الممتدة ، عرضًا تؤكده آيات وسور أخرى . ولنتدبَّرْ الآيات من سورة فاطر بهذا الخصوص:
"إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرًّا وعلانية يرجون تجاره لن تبور ليوفيهم أُجورَهم ويزيدهم من فضله إِنه غفور شكور ."
إن هذه الآيات لا تتعلَّق بزمن معيّن أو رسول واحد . إنها تمتدُّ مع امتداد رسالة الله وكتبه المنزلة لتشمل جميع من يتلون كتاب الله ويقيمون الصلاة وينفقون مما رزقهم الله سرًّا وعلانيّة . وان مغفرة الله ورحمته ، وفضله وثوابه ، لا ينحصر في زمن معيّن . فالله رب المؤمنين جميعًا ، يغفر لهم ويرحمهم برحمته الواسعة ، ويوفيهم أجورهم ، إلا من مَات على الشرك . ولقد سبق آيات أخرى في كتاب الله توضح هذه الخصائص مع الصادقين من أهل الكتاب:
"ليسوا سواءً من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون . يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين . وما يفعلوا من خير فلن يُكْفَروه والله عليم بالمتقين ." [ آل عمران: 113ـ115 ]
فهذه الآية الكريمة تفرّق بين أمتين من أهل الكتاب:
أمّة صدّقت رسولها الذي جاءها بالحق ، ثم آمن من أدرك منهم محمدًا صلى الله عليه وسلم به وبرسالته ، وأمّة أخرى لم تؤمن لا برسولها ولا بمحمد صلى الله عليه وسلم .
ثم تربط السُّورة رسالة محمد صلى الله عليه وسلم بسائر الرسالات السابقة ، ليكون مصدّقًا لها ومهيمنًا عليها . وكلٌ نبيّ ورسول يكون مصدّقًا لمن سبقه من الأنبياء والرسل ، وكتابه يكون مصدّقًا للكتب قبله:
"والذي أوحينا إليك من الكتاب هو الحقّ مصدّقًا لما بين يديه إن الله بعباده لخبير بصير ." [ فاطر: 31 ]
وتأخذ كلمة"كتب"، و"الكتاب"معاني متعدّدة في القرآن الكريم . فهي تأتي في أكثر من مئة وثلاثين آية في سور متعدّدة . فمن معانيها:"الكتاب الذي أُنْزِل على الرسل السابقين ، و"القرآن الكريم الذي أُنْزِل على محمد صلى الله عليه وسلم"و"وما كتبه الله وقدّره وحكم به"، وكذلك"ما هو في الكتاب الأول عند الله سبحانه وتعالى ، الكتاب الذي لا يُبَدَّل ولا يُغَيَّر"، وكذلك"أمّ الكتاب". ونأخذ قبسات من القرآن الكريم لبعض هذه المعاني:"
"ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين ." [ البقرة: 2 ]
"وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون ." [ البقرة:53 ]
"وما من غائبة في السماء والأرض إلا في كتابٍ مبين." [ النمل:75 ]
"يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب ." [ الرعد: 39 ]
"قال الذي عنده علمٌ من الكتاب .... ." [ النمل: 40 ]
"... والمؤمنون بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ... ." [ الأحزاب: 6 ]
"كتاب مرقوم . يشهده المقرّبون ." [ المطففين: 20، 21 ]
ومن الواضح أن معنى"والذي أوحينا إليك ..."هو القرآن الكريم ، وأما كلمة"من الكتاب"هنا قد تعني الكتاب الأول عند الله الذي يضم الكتب كلها .
ونأتي الآن إلى الآيات الكريمة موضع الدراسة هنا:"ثمّ أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا ..."! ولقد دار خلاف بين أهل التفسير ، كما ذكرنا حول مفهوم هذه الآية . ونودّ أن نطرح التصور الذي يقوم على أساس النهج الذي عرضناه .
فكلمة"أورثنا"وردت في كتاب الله في أكثر من موضع ، لتعطي المعنى الممتد إلى كل من أنزل الله عليه الكتاب وجعل على الذين اتبعوه مسؤولية الالتزام والتبليغ فنأخذ قبسات من ذلك تضيء لنا المعنى .
"ولقد آتينا موسى الهدى وأورثنا بني إسرائيل الكتاب . هدى وذكرى لأولي الألباب ." [ غافر: 53ـ54]
"فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب ...." [ الأعراف: 169 ]