فهرس الكتاب

الصفحة 23734 من 27345

"وما تفرّقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيًا بينهم ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شكًّ منه مريب ." [ الشورى:14 ]

وكلمة"الذين اصطفينا من عبادنا"نجدها ممتدّة كذلك في القرآن الكريم إلى كل من اصطفاه الله فأنزل عليه الوحي والكتاب . ففي سورة النمل تعرض الآيات بعض قصص الأنبياء مع أقوامهم: موسى ، وداود ، وسليمان ، وصالح ، ولوط ، عليهم السلام ثمّ عقّب القرآن الكريم بقوله سبحانه وتعالى:

"قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى آلله خير أم ما يشركون ." [ النمل: 59 ]

فالاصطفاء هنا ممتد مع الأنبياء والرسل ، كما ذكرت الآية الكريمة . والله يصطفي من خلقه ما يشاء:"الله يصطفي من الملائكة رسلًا ومن الناس إن الله سميع بصير." [ الحج: 75 ]

والصالحون من أتباع الرسل ممتدون كذلك في مختلف الرسالات كما رأينا في الآية من سورة آل عمران ، وكما نرى في الآية التالية من سورة الأعراف وهي تتحدث مع الآية السابقة لها عن أهل الكتاب:"والذين يمسّكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين ." [ الأعراف: 170 ]

وهذه الخصائص التي وردت هنا ، وفي سورة آل عمران ، هي نفسها التي وردت في الآيات (29ـ32) من سورة فاطر .

والفئات الثلاثة المذكورة في الآية من سورة فاطر:"فمنهم ظالم لنفسه"،"ومنهم مقتصد"، ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله"، كُلها موجودة في أتباع الرسالات السابقة ، الرسالات التي جاءت بدين واحد هو الإسلام ."

فالآية الكريمة من سورة فاطر:"ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ...."، تتحدث عن جميع من ورثوا الكتاب ممن اصطفاهم الله من عباده ، كما بيّنا في الأدلة من الآيات التي سبق ذكرها ، ممن آمنوا بالرسل واتبعوهم .

وفي سورة"ص"، تستعرض الآيات قصص بعض رسل الله وأنبيائه الذين أورثوا الكتاب والذين اصطفاهم الله ، ثم تعقّب الآيات على ذلك بقوله سبحانه وتعالى:

"إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار . وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار ." [ ص: 46ـ47 ]

فهؤلاء الأنبياء والرسل جميعًا اصطفاهم الله وأورثهم الكتاب وحملوا رسالة الله ، فآمن بهم أناس واتبعوهم ، وكفر بهم آخرون . فكان فيهم هذه الفئات الثلاث: ظالم لنفسه ، ومقتصد ، وسابق بالخيرات . وهؤلاء عسى أن يكونوا ناجين عند الله إِلا من مات مشركاٍ . والله أعلم بعباده ، وهو اعلم بمن مات مشركًا ، أو بما ارتكبوا من ذنوب وآثام ، وبمن يستحق المغفرة من عباده ، يغفر لمن يشاء ويعذّب من يشاء . فالأمر لله وحده ، لا يملك أحد من البشر أن يصدر شهادات بالمغفرة أو بدخول الجنة . ولكننا نقول بما علمنا الله من أحكام عامة لا ندري على من تنطبق من خلقه . ويؤكد هذا الشمول لمعنى الآية الكريمة من سورة فاطر ، قوله سبحانه وتعالى:

"إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الأخر وعمل صالحًا فلهم أجرهم عند ربهم لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ." [ البقرة: 62 ]

وكذلك قوله سبحانه وتعالى في سورة المائدة:

"إن الذين آمنوا والذين هادوا والصائبون والنصارى من آمن بالله واليوم الأخر عمل صالحًا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ." [ المائدة: 69 ]

أما قوله سبحانه وتعالى:"فمنهم ظالم لنفسه ..."، فإن معنى الظلم موضح في آيات كثيرة ، تحدّد مستوى الظلم ونوعه ، أو تتركه عامًا كما في هذه الآية . وللتيسير نضعها في إطارين: الأول من ارتكب معصية أو إثمًا . فهؤلاء على حالين: مقيم على المعصية والإثم حتى مات دون توبة ، أو مقلع عن المعصية بالتوبة والعمل الصالح . فالحالة الأولى أصحابها مرجون لأمر الله ، وأما الحالة الثانية فقد وعدهم الله بالمغفرة إن علم في قلوبهم صدق التوبة . أما الإطار الثاني: فهو من مات مشركًا فلا مغفرة له . والشرك ظلم عظيم ، والنفاق ظلم عظيم ، والمنافقون في الدرك الأسفل من النار:"وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بُنيَّ لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم ." [ لقمان: 13 ]

"إن الله لا يغفر أن يشرك به و يغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى إثمًا عظيمًا ." [ الناس: 48 ]

ونؤكد أن ما نعلمه من الكتاب والسنة حكم عام ، لا ندري كيف يكون حال هذا العبد أو ذاك يوم القيامة بين يدي الله . فالأمر لله ، هو وحده يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور . ويظل المؤمن بين الخشية والرجاء .

وكلمة"ثمَّ"في قوله سبحانه وتعالى:"ثُمَّ أورثنا الكتاب ..."يمكن أن تعني العطف أكثر منها للترتيب ، كما في قوله سبحانه وتعالى:

"فإلينا مرجعهم ثمّ الله شهيد على ما يفعلون ." [ يونس: 46 ]

فالله شهيد على ما فعلوه في الدنيا ، وكأن المعنى:"فإلينا مرجعهم والله شهيد على ما يفعلون .".

و نخلص من ذلك ، على أساس هذا العرض ، أن الآيات الكريمة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت