"ثمّ أورثنا الذين اصطفينا من عبادنا "تعرض حقيقة ربّانيّة ثابتة مع جميع العصور ومع جميع الرسل ومن اتبعهم . فمن الذين اتبعوهم من هو ظالم لنفسه ، ويشمل الظلم جميع أنواعه ، فمنه ما يغفر الله عنه إن شاء ، فله الأمر ، ومنه ما لا يغفره الله إذا مات صاحبه عليه ، وأكبره الشرك ، والأمر يومئذ لله يغفر لمن يشاء و يعذّب من يشاء ، على حكمة لله بالغة وعدل حق لا ظلم معه أبدًا ، على ميزان رباني قسط .
ثم تأني الآية الكريمة:"جنات عدن يدخلونها يحلّون فيها ..."!
فمن هم أولئك الذين يدخلونها ؟ !
فلا بد أن تنسجم هذه الآية الكريمة مع سائر الآيات الكريمة في كتاب الله ، مما هو متعلق بهذا الموضوع ، ومع الأحاديث الشريفة . فجميع الأصناف أو الفئات الثلاث يحتاجون إلى رحمة الله ومغفرته حتى يدخلوا الجنّة . فلا أحد يدخل الجنّة بعمله فقط ، ولكن بعمله ينال رحمة الله ومغفرته فيدخل الجنّة . والمعنى جليّ بالنسبة للفئتين الثانية والثالثة ، فإنهم بعملهم ينالون رحمة الله ومغفرته ، فيدخلون الجنّة . أما الصنف أو الفئة الأولى:
"فمنهم ظالم لنفسه"، فأمره مختلف لأنه يعتمد على نوع الظلم الذي ظلم به نفسه ، كما بيّنا قبل قليل . ولا نستطيع أن نقول إن"فمنهم ظالم لنفسه"، من أمة محمد صلى الله عليه وسلم وحدهم هم المفغور لهم ، ولا نستطيع أن نقول إن هذه الفئات الثلاث هي في أمة محمد صلى الله عليه وسلم وحدها ، فكلهم موجودون في أتباع الرسالات السابقة ، وكلهم ينالون رحمة الله ومغفرته على ميزان رباني حق عادل ، ورحمة الله ومغفرته عامة لعباده المؤمنين في مختلف العصور .
وإذا تميّزت رسالة محمد صلى الله عليه وسلم وتميّز أصحابه وتميّزت أمته ، فذلك في أمور غير هذه ، غير الرحمة والمغفرة ودخول الجنة ، فذلك له ميزان عام لجميع المؤمنين من عباد الله من أتباع الرسالات كلها . محمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين وإمامهم وسيدهم ، ورسالته جامعة مهيمنة مصدّقة لما سبقها ، وأصحابه رضي الله عنهم حملوا الرسالة مع نبيّهم وآزروه وما خذلوه ، وخصائص أخرى كثيرة لا مجال لتعدادها هنا ، إلا أن رحمة الله ومغفرته عامّة لعباده كلهم في جميع العصور إلى يوم القيامة على ميزان قسط لا ظلم معه .
ونود الآن أن نطبق هذه الآيات الكريمة على واقعنا . وبصورة خاصة كيف نفهم:"فمنهم ظالم لنفسه ..."في واقع المسلمين اليوم من أمّة محمد صلى الله عليه وسلم . فهل كل من ظلم نفسه اليوم من أمة محمد مغفور له مهما كان نوع الظلم ؟ !
إن عدد المنتسبين إلى الإسلام اليوم يقرب من المليار ، على أحوال شتىّ من درجات الظلم أو الاقتصاد أو المسارعة في الخيرات . فمن المنتسبين إلى الإسلام اليوم من لا يعرفون الإسلام ، ولم يتدبّروا منهاج الله ، ولم ينهضوا لطلب العلم منه كما أمرهم الله ورسوله ، ومنهم من يقضي حياته كلها لا يصلّي ولا يصوم ، ومنهم من يوالي العلمانيّة بشعار الإسلام ، ويتبنّى أفكارهم المخالفة للإسلام صراحة ، ومنهم من يدعو إلى العلمانيّة وما يتبعها بدلًا من الدعوة إلى الله ورسوله ، ومنهم المنافقون ، ومنهم مرتكبو الآثام والمعاصي والداعون لها والناشرون للفتنة والفساد في الأرض ، ومنهم من يوالي أعداء الله ويقف في صف الكافرين في صورة جليّة .
فلننظر إلى عدد المصلين في المساجد حتى لو امتلأت ، فإنهم لا يمثلون إلا نسبة قليلة من المنتسبين إلى الإسلام .
والآيات الكريمة التي تتحدّث عن هذه الفئات ، إنما تتحدّث عن أمّة مسلمة واحدة في صف واحد كالبنيان المرصوص . فما هو حكم الإسلام في التمزّق الحالي بين المسلمين ، وما حكمه في من رضي به أو ساهم في بقائه ولم ينهض لإزالته ؟ ! أين هي الأمّة المسلمة المتراصّة التي تطبّق فيها هذه الآيات الكريمة . إن الأمة المسلمة الواحدة هي أمة محدّدة الخصائص العمليّة المتوافرة في الواقع فإذا انتفت هذه الخصائص فكيف تكون الأمة المسلمة الواحدة ؟ ! . وتدبر هذه الآيات الكريمة:"كنتم خير أمة أُخْرِجَتْ تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرًا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون". [ آل عمران: 110 ]
"إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البريّة ." [ البيّنة: 7 ]
وآيات أخرى كثيرة تبيّن خصائص الإيمان وخصائص الأمة المسلمة الواحدة التي هي خير أمة أخرجت للناس ! أين هي الأمة المسلمة الواحدة بهذه الخصائص ؟ وكذلك:
"ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون ." [ آل عمران: 104 ]
وأين اليوم هذه الأمة المسلمة الواحدة ؟ ! وهل واقع المسلمين اليوم يكشف عن هذه الأمة وعن خصائصها الربانيّة ، أم يكشف عن صورة أخرى تمثلها الآية الكريمة التالية: