هذه الآيات، كما يحدّثنا الشهيد سيّد قطب في (الظلال) :"تحكي قصة لا تعرف لها الأرض نظيرًا، ولا تعرف لها البشرية شبيهًا. وتشهد وحدها، بأن هذا القرآن وهذا الدين لابدّ أن يكون من عند الله؛ لأن البشر ـ مهما ارتفع تصوّرهم، ومهما صفت أرواحهم، ومهما استقامت طبائعهم ـ لا يمكن أن يرتفعوا ـ بأنفسهم ـ إلى هذا المستوى الذي تشير إليه هذه الآيات، إلاّ بوحي من الله .."إنه في الوقت الذي كان اليهود في المدينة يطلقون كل سهامهم المسمومة التي تحويها جعبتهم اللئيمة على الإسلام والمسلمين.. في الوقت الذي كانوا فيه ينشرون الأكاذيب، ويؤلّبون المشركين، ويشجعون المنافقين، ويرسمون لهم الطريق، ويطلقون الإشاعات، ويضللون العقول، ويطعنون في القيادة النبوية، ويشككون في الوحي والرسالة، ويحاولون تفسيخ المجتمع المسلم من الداخل، في الوقت الذي يؤلبون عليه خصومه ليهاجموه من الخارج. والإسلام ناشئ في المدينة، ورواسب الجاهلية لا يزال لها آثارها في النفوس، ووشائج القربى والمصلحة بين بعض المسلمين وبعض المشركين والمنافقين، واليهود أنفسهم، تمثل خطرًا حقيقيًا على تماسك الصف المسلم وتناسقه. في هذا الوقت الحرج، الخطر.. كانت هذه الآيات كلها تتنزل على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعلى الجماعة المسلمة لتنصف رجلًا يهوديًا اتهم ظلمًا بسرقة، ولتدين الذين تآمروا على اتّهامه، وهم بيت من الأنصار في المدينة. والأنصار يومئذ هم عدة الرسول -صلى الله عليه وسلم- وجنده، في مقاومة هذا الكيد الناصب من حوله، ومن حول الرسالة والدين والعقيدة الجديدة!
".. إن المسألة لم تكن مجرّد تبرئة بريء، تآمرت عليه عصبة لتوقعه في الاتهام ـ وإن كانت تبرئة بريء أمرًا هائلًا ثقيل الوزن في ميزان الله ـ إنما كانت أكبر من ذلك. كانت هي إقامة الميزان الذي لا يميل مع الهوى، ولا مع العصبية، ولا يتأرجح مع الموّدة والشنآن"
أيًا كانت الملابسات والأحوال. وكانت المسألة هي تطهير هذا المجتمع الجديد وعلاج عناصر الضعف البشري فيه مع علاج رواسب الجاهلية والعصبية في كل صورها، حتى في صورة
العقيدة، إذا تعلّق الأمر بإقامة العدل بين الناس، وإقامة هذا المجتمع الجديد، الفريد في تاريخ البشرية، على القاعدة الطيّبة النظيفة الصلبة التي لا تدنّسها شوائب الهوى والمصلحة والعصبية، والتي لا تترجرج مع الأهواء والميول والشهوات.
"ولقد كان هناك أكثر من سبب للإغضاء عن الحادث، أو عدم التشديد فيه والتنديد به، وكشفه هكذا لجميع الأبصار. بل فضحه بين الناس، على هذا النحو العنيف المكشوف. كان هناك أكثر من سبب لو كانت الاعتبارات الأرضية هي التي تتحكم وتحكم، ولو كانت موازين البشر ومقاييسهم هي التي يرجع إليها هذا المنهج! كان هناك سبب واضح عريض. أن هذا المتهم"
"يهودي"من يهود .. يهود التي لا تدع سهمًا مسمومًا تملكه إلاّ أطلقته في حرب الإسلام وأهله، والتي يذوق منها المسلمون الأمرّين .. والتي لا تعرف حقًا ولا عدلًا ولا نصفة، ولا تقيم اعتبارًا لقيمة واحدة من قيم الأخلاق في التعامل مع المسلمين على الإطلاق !
"وكان هنالك سبب آخر، أنّ الأمر في الأنصار الذين آووا ونصروا. والذين قد يوجد هذا الحادث بين بعض بيوتهم ما يوجد من الضغائن. بينما أن اتجاه الاتهام إلى يهودي يبعد شبح الشقاق! وكان هنالك سبب ثالث هو عدم إعطاء اليهود سهمًا جديدًا يوجّهونه إلى الأنصار، وهو أن بعضهم يسرق بعضًا ثم يتهمون اليهود! ولا يدعون هذه الفرصة تفلت للتشهير بها."
"ولكن الأمر كان أكبر من هذا كله .. أن يُقام ميزان العدل في الجماعة المسلمة لتحكم به بين الناس، مجردًا من جميع الاعتبارات الأرضية والمصالح القريبة الظاهرة، والملابسات التي يراها الناس شيئًا كبيرًا لا يقدرون على تجاهله!"
".. ومن ثم لم يكن هناك مجال للياقة! ولا للكياسة ولا للسياسة! ولا للمهارة في إخفاء ما يحرج، وتغطية ما يسوء. ولم يكن هناك مجال لمصلحة الجماعة المسلمة الظاهرية ومراعاة الظروف الوقتية المحيطة بها! هنا كان الأمر جدًا خالصًا، لا يحتمل الدهان ولا التمويه. وكان هذا الجد هو أمر هذا المنهج الرباني وأصوله، وأمر هذه الأمة التي تعدّ لتنهض بهذا المنهج وتنشره. وأمر العدل بين الناس في هذا المستوى الذي لا يرتفع إليه الناس إلاّ بوحي من الله."
".. وينظر الإنسان من هذه القمة السامقة على السفوح الهابطة في جميع الأمم على مدار الزمان، فيراها هنالك في السفوح، ويرى بين تلك القمة السامقة والسفوح الهابطة صخورًا متردية، هنا وهناك، من الدهاء والمراء والسياسة والكياسة والبراعة والمهارة ومصلحة الدولة ومصلحة الوطن ومصلحة الجماعة، إلى آخر الأسماء والعنوانات، فإذا دقّق الإنسان فيها النظر رأى من تحتها الدود ..".
دعونا نسرد ـ في مقابل هذا ـ بعض الشواهد على العلاقة (الحرّة !) بين الموضوعية والالتزام في الحياة الغربية.