فهرس الكتاب

الصفحة 11035 من 27345

كلنا يذكر الفيلسوف الألماني (الكبير!) هيغل صاحب التفسير المثالي للتاريخ، والذي كان من أبرز دعاة العرقية الألمانية والتفوّق الجرماني. فلما غزا نابليون بونابرت ألمانيا، بعد أن اكتسح مساحات واسعة من أوروبا، اعتبره هيغل المعبّر عن العقل الكلي، المهيمن على قدرات الصيرورة التاريخية، و (البطل) الذي جاء (على حصانه الأشهب) لكي يصنع التاريخ. على الرغم من أن عسكرية نابليون، وما أدّعاه من التبشير بمبادئ الثورة الفرنسية في الوقت نفسه، يتناقضان في الأساس مع نموّ القومية الألمانية وفلسفتها وأهدافها.

وكلّنا يذكر ما فعله فيلسوف الاجتماع (الكبير!) أوغست كونت عندما بعث رسالة بعنوان (رسالة فلسفية في التذكار الاجتماعي) إلى محبوبته (كلوتليد دي فو) يغير رأيه في المرأة ومكانتها الاجتماعية تغييرًا تامًا. فقد كان منذ أشهر يكتب إلى تلميذه (ستورات مل) فيرى أنه ليس في المرأة أمل ولا خير، أما الآن فهو يرى المرأة عنصرًا أساسيًا في الإصلاح الاجتماعي الذي وقف نفسه عليه. والسبب في هذا الانقلاب الفجائي من النقيض إلى النقيض هو أنه في الأولى كان يحب امرأة قبلت الزواج، ولكنها خدعته فدفعته إلى محاولة الانتحار والالتحاق بمستشفى المجانين حينًا من الدهر، وفي الثانية أحب فتاة لم يُتح له الزواج بها، لكنها منحته نفسها، وأحبّته حبًا صادقًا. وهكذا أصبح الحكم على جنس المرأة مستمدًا من خبرة الفيلسوف الشخصية ومطارحاته ونزواته.

هناك ـ أيضًا ـ حادثة المدرّسة الفرنسية الخاصة التي استقدمها ستالين، أيام زعامته للاتحاد السوفياتي المندثر، لتعليم أبنائه. لقد اكتشفت نسخة من رواية (الحرب والسلام) لتولستوي وعلى هوامشها ملاحظات بخط ستالين تحمل معنى التحامل على تمجيد الأبطال، وتكرار جملة"خطأ اشتراكي".

فهل ثمة في التاريخ المعاصر، بل ربما في مساحات واسعة من التاريخ البشري، غير هتلر وموسوليني، من مارس في سلوكه وسياساته مفهوم البطولة الطاغية وشرب كأسها حتى الثمالة مثل ستالين؟ والمجازر الجماعية التي نفذها؟ وحصاد الملايين من أبناء أمته، ما كانت في جانب من جوانبها سوى تعبير عن هذا التفرّد الطاغي الذي يصل على يدي ستالين حدّ التألّه، وليس مجرد البطولة التي اعتبرها"خطأ اشتراكيًا"!

لنرجع إلى إسلامية المعرفة، أو التأصيل الإسلامي للنشاط العلمي والمعرفي عمومًا، فإننا سنجده يعكس ـ بشكل من الأشكال ـ هذا التماسك العميق في الإسلام بين الحقائق والتصورات، أي بين الموضوعية والالتزام. بل إن بمقدور المرء أن يمضي خطوة أخرى فيقول بأن إسلامية المعرفة هي وضع للأمور في نصابها الحق. ذلك أن الالتزام بالمعايير الإسلامية يمنح من المحفزات والضوابط (معًا) ما يتطلب التسريع بالكشف والابتكار والتنمية العلمية، وجعل هذا كله لصالح الإنسان والجماعات البشرية وليس (ضدّها) ، كما يحدث في بعض حلقات العلم الغربي.

وهذا لا يعني من قريب أو بعيد دخول مفردات التصوّر الإسلامي إلى المختبر للحكم على الظواهر والأشياء وإرغامها على الدخول من هذه القناة أو تلك، مما هو نقيض العلم ابتداء. هذا ما يتصوره أو يوهم به أعداء المشروع وخصومه أو بعض السذّج من المسلمين أنفسهم. والمقصود شيء آخر تمامًا يتمثل في رسم إطارات شاملة ومرنة لحركة العلم وتوظيف نتائجه، لا تخترق على رجال المختبر خلوتهم، ولكنها تعطيهم المؤشرات التصوّرية التي تمكنهم من جعل الكشف أكثر موضوعية، وأقدر على تأكيد الإيمان في هذا العالم لا نفيه والاصطراع معه. وهذا على وجه التحديد ما نستطيع أن نقرأه في المعطيات الأكثر حداثة للعلماء وفلاسفة العلم المعاصرين على الرغم من أنهم لا ينتمون للإ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت