فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
سبق أن قلنا ونحن نستعرض سورة الفجر وما قبلها بقليل إن ملامح الطريق التي تتجه نحوها حركة الإسلام بدأت تتضح ، إنه يطرح على بساط البحث عدد من الخيارات حينما تقوم حركة ما تجد نفسها أمام عدد من الطرق يمكن أن تسلك هذا أو هذا أو ذاك ، والإنسانية تعرف وعرفت من قبل وتجرب في كل يوم جديدًا من هذه التجارب ، عرفت ما سبق من قبل أن أُلهمت عقولٌ كبيرة مرت في هذه الدنيا ومضت كانت تتلمس الحق وتجهد من أجل الوصول إليه ، وقد توفق إلى بعض منه وقد لا توفق ، ليس هذا مهمًا ، لكنها عقليات وتيارات فكرية ومذاهب فلسفية ونماذج وأنماط سياسية أو اجتماعية يتخيلها المتخيلون ممن أعفوا أنفسهم من مشقات الكفاح والكدح والمعاناة والصبر والمصابرة ، فكانت كلمات ضائعة في الهواء ، ليس لها رجع على أرض الواقع ولا أثر ، ذلك ما يعرف في التاريخ الإنساني بالمدارس والمذاهب الفلسفية ، وكانت أيضًا مع هذا وبعد تجارب النبوات السابقة دروسًا غنية بالمواعظ تشير إلى مواطن الداء وتصف الأدواء وتشير إلى أسباب النهوض بالأمم وتصف الأسباب التي أدت إلى الانتكاس وعجز الأمم عن مجاراة الآفاق العالية التي كانت تتخاطب معها النبوات السابقة .
وجاء الإسلام فتحًا جديدًا وكلامًا معجزًا ولكن معه أيضًا نبوة معجزة ، وكان من أول شيء هدي إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن حياة الإنسانية ليس كلامًا يقال ولكنه معاناة تعاش ، وليس تصورات يتخيلها الذهن ولكنه مجهودٌ يَوْمِيٌ موصول ، وأما ما وقع في أذهان الذين مضوا من قبل وما يقع في أذهان الناس تحت ضغوط متباينة ومتعددة من أن الفصل بين المعرفة وبين العمل ، بين العلم والممارسة اليومية شيء لا ينبغي أن ينزل في قاموس الإسلام ، إن العلم والعمل قرينان ، بل إن العمل هو المقصود لذاته ، والعلم مصباح ودليل وإشارة يكشف لك جنبات الطريق كي لا تضل ولا تضيع ، وهذا التفاعل المستمر والأخذ والعطاء بين والعلم والعمل هو قوام هذه العملية التي تستهدف اجتماعيًا إغناء التجربة الإنسانية ورفع الواقع الإنساني من مستوى الحيوانية التي تدنت إليه هذه البشرية في سلسلة الانحدار المتسارعة يومًا بعد يوم .
ولكن هل هذه البداية تكفي ؟ قلنا إن الحركة الإسلامية كان أمامها عدة خيارات ، كان يمكن أن تسلك هذا الطريق أو ذاك ، ولكنها حركة قيدت من أول يوم بيد الله سبحانه وتعالى ، وكان الوحي حارسها الذي لا ينام ورقيبها الذي لا يغفل ، كل خطوة مسددة بأمر الله تعالى . كان يمكن أن يصرخ محمد صلى الله عليه وسلم في العراء لكي يخرجوا من تلك الحالة الزرية التي كانوا فيها قبل الإسلام ، ما معنى أن يكون آلاف الناس ضائعين في هذه الصحراء المؤلمة ؟ ما معنى أن تكون أمة برمتها ذات تجارب وأبناؤها أصحاب عقول وأرباب حساسيات ومشاعر عالية ؟ ما معنى أن تسخر هذه القوى وأن تجمد هذه المواهب والطاقات لتوضع في خدمة فارس أو توضع في خدمة الروم ؟ وإلى متى يظل العرب في بيدائهم وفي صحرائهم أجراء لدى فارس والروم ولدى الأقوياء من أمم الأرض ؟ كان يمكن أن يصرخ محمد عليه الصلاة والسلام بهذا النداء أن يا أمة العرب توحدي ، وأن يا أمة العرب عزي بعد ذل ، وارتفعي بعد هبوط ، وسودي بعد هوان . وممكن والله أعلم أن تستجيب له بعض القلوب والعقول ، ولكن لم يكن يخطط لشيء من هذا القبيل .
قلنا من قبل إن الإنسانية بلغت في نضجها الحد الذي أصبح جديرًا بها أن تأخذ زمام مصيرها بين يديه ، وأن هذا الوحي الذي جاء به محمد صلوات الله عليه آخر شيء تسمعه الأرض من السماء وبعد الآن فعلى الإنسان أن يعتمد على نفسه ، وعلى البشرية أن تحسن الإفادة من هذا الوحي الكريم ، والإسلام جاء بهذه المفادة .. رسالة ليس فقط لهذه الأمة التائهة الضائعة وإنما للناس كافة ( قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعًا الذي له ملك السماوات والأرض ) وصدق رسول الله عليه الصلاة والسلام إذ يقول له ويشير إلى ما فرق الله به بينه وبين الأنبياء السابقين إذ كان النبي يبعث إلى قومه وبعث محمد صلى الله عليه وسلم إلى الناس كافة .