فهرس الكتاب

الصفحة 23443 من 27345

وكان في قلب بغداد وفي صدر المدرسة النظامية، يتألق كعالم، ولكنه كان في صميم نفسه يقاسي موجة عاصفة من الشك، وكان المنطق والعلم يضيقان بما يريد من فهم"كنه"الحياة.

وإذا به فجأة، وعلى غير انتظار، ينقطع عن الدرس، وينعقد لسانه عن الكلام وينصرف عن الطعام، ويدخل في مرحلة عجيبة من الغيبوبة والتهويم.

ولم يجد مخرجًا من هذا الحرج إلا أن يذهب إلى الحجاز، ويترك التدريس، ويدخل الخلوة، ويعكف على الرياضة الروحية.

وكانت هذه"الأزمة"، ولاشك، قمة حياته العلمية التي أوشكت على الانتهاء، ليبدأ حياة تقوم على الوجدان والروحية والتصوف.

ثم ترك الحجاز إلى دمشق، واعتكف في منارة الجامع الأموي، ولبس الثياب الخشنة، وزهد في الطعام والشراب، فلم يكن يأخذ منهما إلا القليل الذي يتبلغ به.

وانتقل إلى دمشق إلى بين المقدس واعتكف في المنارة الغربية من المسجد الأقصى، وقضى بها وقتًا طويلًا كتب فيه أصول كتابه الضخم"إحياء علوم الدين".

ثم رحل إلى الإسكندرية، فأمضى بها فترة من الزمان، وفي هذه الرحلة الطويلة تبلورت نفس الغزالي وتفتحت لفهم الحقيقة. وانتهت الأزمة النفسية الضخمة التي ألمت بهذه الشخصية الكبرى.

ويبدو الإمام الغزالي خلال هذه الأزمة بصورة الرجل الذي يستهدف الوضوح، ويتجه إلى النور، والذي يصر على أن يصل إلى ما يريد دون أن يعبأ أو يضيق بما يكلفه ذلك من أهوال.

وفي سبيل الغاية التي وطن عليها نفسه هاجر وانتقل وطوف، وقضى أكثر من عشر سنوات في ذلك الطواف.

خرج وهو قمة الشك والاضطراب وانعقاد اللسان، وعاد وقد انجابت عنه الأزمة، وتفتح له طريق اليقين.

وكسب التراث الإسلامي من أزمة الغزالي هذا الكتاب القيم"الإحياء"لالذي يعد الآن، وبحق، منار الراغبين في العلم والفقه والتصوف جميعًا.

وقد هداه طول البحث إلى حل أزمتين: أزمة نفسه، وأزمة الفكرة الإسلامية. فهو حين قضى على الصراع النفسي الداخلي في أعماقه قضى أيضًا على الخلاف الذي نشب طويلًا بين الصوفية والفقهاء، وامتد زمنًا، واتسعت معه شقة الجدال والسجال. فمزج بين الصوفية والفقه في أسلوب بارع، وطريقة واضحة.

وإن كان قد فات الغزالي أن يجمع الأنصار وإن يكون الدعاة وهو حي، فقد ظلت آثاره تجمع الأنصار طوال القرون المتوالية، وتظل دستورًا للدعاة إلى الإسلام في كل مكان.

وأبرز ما في حياة الإمام الغزالي"السفر"والترحال، وهو عند الباحثين النفسيين دليل الحيوية والقوة الروحية، لاسيما في ذلك العصر الذي كان الانتقال فيه غاية في العسر، وقطعة من العذاب.

فقد ولد بطوس، وهاجر إلى جرجان في مطلع شبابه، حيث اتصل بالعلماء، ثم عاد كرة أخرى إلى طوس وانقطع للعلم. ثم ضاق بها، فرحل إلى نيسابور، واتصل بالإمام الجويني، فأخذ عنه مذاهب الجدل والأصول والمنطق.

ومضى يدرس إلى أن قضى أستاذه، ففارق نيسابور قافلًا إلى بغداد، واتصل في بغداد بنظام الملك الذي ولاه التدريس في"النظامية". وتألق نجم الغزالي في بغداد، واتسعت حلقات دروسه.

ثم جاءت القارعة، وتطورت حياته على ما وصفنا.

وكان الغزالي حربًا علمية، غاية في الصرامة والقوة والعنف، على الباطنية، فقد مزق آراءهم، وسفه أفكارهم.

ولا يشك الباحث الذي يقرأ فصوله في السفر، والزواج، والمعاملة، والصداقة، أنه مجرب خبر الحياة، واتصل بها أوثق اتصال. هذا إلى أنه دفع التصوف بالقواعد التي قعدها له إلى السنة، ونقاه من الأخطاء التي تجمعت حوله. بل إنك لا تجانب الحق حين تقول أن الغزالي لم يدع مادة من علوم زمانه دون أن يحيط بها أو يتناولها بالدرس والنقد وقد تبلورت علومه في كتاب"الأحياء"بالذات.

ولا يزال"الغزالي"علمًا من أعلام الفكر الإسلامي، كما أنه سيظل رمزًا على القوة النفسية التي تتمثل في الرجل الذي آمن بهدفه، فأمضى حياته سائحًا في سبيل الوصول إليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت