من ناحية أخرى ، تنبع أهمية الصلاة من مفهوم الصلة نفسه ، إذ تعني فيما تعنيه الانقطاع أيضا، أي انقطاع العبد عن كل شيء متعلق بمألوفه وعادته المرتبطة بيومه ، والدخول في اللحظة الجديدة التي يصبح فيها مرتبطا بالله ، والانقطاع مفهوم أساسي في الصلاة ، إذ يعني القدرة على اختراق المألوف والمعتاد ، أي التغيير بمعناه الدقيق والعميق ، فمن المعروف أن المألوف يصبح ذا سلطة قاهرة على العبد ، وعندما لا يبادر إلى كسره ، فإنه سيصبح عادة قوية ، تفرض نفسها عليه وعلى حياته ، والصلاة بأوقاتها المعروفة ، وحركاتها الجديدة وأقوالها ومشاعرها ، هي فرصة العبد للبدء في التغيير ، ذلك أنها تعلمه كيف يكسر عوائده وارتباطاته وتفكيره ، ليتحضر لحالة جديدة كلية ، تمكنه من التحكم أكثر في نفسه وحياته ، وهذا الذي أشار إليه الرسول صلى الله عليه وسلم ، في حديث تشبيه الصلوات الخمس بالنهر أمام البيت، يغتسل منه العبد كل يوم خمس مرات ، فعن أبي هريرة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( أرأيتم لو أن نهرا بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمسا ما تقول: ذلك يبقي من درنه ؟ قالوا: لا يبقي من درنه شيئا قال فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بها الخطايا ) رواه البخاري .
إننا عندما ننظر إلى الركوع والسجود ، سنجد بالإضافة إلى أنهما يمثلان التنزيه والتعظيم ، يمثلان أيضا فكرة كسر الحركة الإنسانية المعتادة ، وبدون هذا الكسر لن تكون هناك عبادة خالصة لله .
إننا عندما ننظر إلى الركوع والسجود ، سنجد بالإضافة إلى أنهما يمثلان التنزيه والتعظيم ، يمثلان أيضا فكرة كسر الحركة الإنسانية المعتادة ، وبدون هذا الكسر لن تكون هناك عبادة خالصة لله ، في نفس الوقت الذي يمثل فيه التسبيح والتعظيم والقرآن ، كسرا للغة المألوفة لدينا، والخشوع بصفته عاطفة غير معروفة لغير المؤمن ،كسرا للمشاعر المعروفة لدى الجميع ، حيث يتم تجاوزها إلى مشاعر جديدة كلية ولا يشعر بها العبد إلا في ارتباطه بالله .
كما أننا حين نلاحظ الأوقات التي تتم فيها الصلاة ، سنجد أنها مرتبطة أيضا بوظيفة التغيير والإختراق ، فهي أوقات متباعدة ، وتكون في الحالات التي يكون فيها الإنسان غير راغب في الحركة ، فكأنها دعوة من الله لكسر العادة الإنسانية المتجهة دائما إلى الدعة والسكون ، أي كسر الروتين اليومي للإنسان ، فعند الفجر ، يقوم المسلم ليكسر رغبته في النوم ، وعند الظهر يقوم بكسر رغبته في الراحة أو العمل ، وعند العصر أيضا ، أما عند المغرب ، فالإنسان يحب أن يأوي إلى بيته وأهله ، لكن الصلاة تدعوه للخروج لملاقاة الظلام الذي يحسس الإنسان بالهدوء ، وتكون الصلاة عندئذ جهرية، ليناقض ذاك فكرة النوم والهدوء والسكون. ونفس الشيء يحدث في صلاة العشاء ، وكأن الصلاة بأفعالها وأدوارها الزمنية وجهريتها أو سريتها هي دعوة أخرى موازية لدورة المألوف والمعتاد الذي يتكرر ويعود دائما ، فتأتي الصلاة لتكون هي أيضا موازي ومناقض له، حتى لا تتحول الحياة إلى شيء واحد يتكرر علينا وفينا وحولنا . وهذا هو ربما المعنى العميق للعبادة ، الذي يمكننا أن نراه في كل عبادة ، كالزكاة والصوم والحج ، وغير ذلك من العبادات .
فالصلاة بهذه المعاني ، هي تجاوز الإنسان لحالته الراهنة ، بحركاته وأقواله ومشاعره ، إلى حركات وأقوال ومشاعر لا يحس بها ولا يقوم بها إلا مع الله ، فالتجاوز هو المفهوم الذي تؤدي إليه الصلاة ، تجاوز العادة والركون والمألوف ، بالاقتراب من الله أكثر ، بما يؤدي مباشرة إلى التغيير المنشود الذي يحاوله العبد دائما .
وانطلاقا من هنا تنبع أهمية الصلاة كعبادة تقود العبد في اتجاه التغيير، وهذا ما سنعرفه من خلال الأفعال الثلاثة للصلاة .
الأفعال الثلاثة للصلاة: