إن الأفعال السابقة ، أي الفعل الحركي واللفظي والروحي ، أفعال متكاملة ومرتبطة ببعضها البعض أشد الارتباط ، وينبغي أن يؤدي كل منها إلى الآخر، وهذا يفرض على العبد أثناء الصلاة أن يكون متحكما أشد التحكم في أفعاله وأقواله ومشاعره ، أي أن يكون واعيا بلحظة الصلاة ، ودون هذا التحكم لن يتمكن من الوصول إلى معنى الصلاة . لكن عندما يتمكن من ذلك ، سيلاحظ أن ذلك ينعكس على حياته اليومية مباشرة، حيث تستمر قدرته على التحكم والوعي بظروفه وأفعاله ومشاعره في التقدم، ويصبح أكثر وعيا بالحياة والوجود بصفة عامة ، وهو ما يؤدي به إلى الانتهاء عن كل فاحشة ومنكر كما أخبر القرآن في سورة العنكبوت الآية 45:: (( اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ماتصنعون ) )، وعن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعدا) ، لأن القدرة على التحكم ستصبح كبيرة جدا ، ونابعة من العلاقة مع الله ، وهو ما سيؤدي إلى التحكم في النفس وأخطائها أكثر . وبالعكس ، إذا لم يتم التحكم في الأفعال الثلاثة للصلاة ، سينعكس ذلك على الصلاة نفسها ، وسينفرط السلوك الإنساني في الصلاة ، ولن يعود قادرا على ممارسة دوره ، كما سينعكس ذلك على الحياة اليومية للإنسان ، لتصبح غارقة في السهو أكثر فأكثر ، منفرطة الوحدة بين الأفعال الثلاثة ، السلوكية واللفظية والروحية الوجدانية ، لتنعزل عن بعضها البعض ، بما يفقد الإنسان القدرة على الرقابة والتحكم ، وبالتالي إمكانية الوقوع في أي خطأ ، سواء بالقول أو بالفعل أو الشعور، في كل ظرف من الظروف التي تأتي بها دورة الحياة ، وهو ما يؤدي به إلى الفواحش والمنكرات ، لأن قدرته على التحكم في الوعي والنفس حينئذ ستكون ضعيفة جدا .
كيفية التحكم في الصلاة:
إن الصلاة كما رأينا فعل تغييري للحالة الإنسانية المألوفة عموما واتجاه بها إلى الله ، وهي تجاوز لكل ما يمكن أن يصبح سجنا للعبد ، سواء من حيث حركته أو قوله أو شعوره وإحساسه ، حيث يؤدي هذا التجاوز إلى إحساس جديد ، وفعل جديد ورؤية جديدة للحياة والإنسان والكون . فكيف يتسنى للعبد أن يقوم بهذا العمل الكبير ؟
ينبغي أولا أن نعرف مراتب الوعي في الصلاة ، وهي:
-الوعي بالحركة: حيث يأتي المسلم بحركات جديدة كلية وليست من طبيعة الحركات اليومية المألوفة.
-الوعي باللفظ: حيث يقول المصلي كلاما ليس فيه من كلام البشر المعتاد شيئا ، وهنا يقول الرسول صلى الله عليه وسلم إن صلاتنا لا يصح فيها شيء من كلام الناس .
-الوعي بالعاطفة الروحية: حيث يؤدي الوعي بالفعل والحركة تدريجيا إلى استكشاف العاطفة الروحية الكامنة خلف الفعل واللفظ والحركة ، وهو ما يستحضر وجود العبد أمام الله .
-الرؤية: حيث يصل المصلي إلى رؤية الله أمامه ، وهو واقف بين يديه يناجيه .