وهذا يبين لنا المراتب التي على العبد الارتقاء فيها إذا أراد أن يصل إلى حالة الصلاة الخاشعة ، وهي حالة راقية جدا لا يمكن الوصول إليها في لحظة واحدة ، أو في أيام أو شهور أو حتى سنوات ، وكم تستوقفنا تلك المناظر لشباب يبكون في صلاتهم ، مع أن البكاء في الصلاة مرتبة كبيرة وتتخطى قدرات الإنسان العادية ، وليس هذا طعنا فيهم ، بقدر ما هو تنبيه إلى ضرورة الوعي بمكانة العبد أمام خالقه ، وأن البكاء والخشوع لا يكون بتخطي المراحل الأساسية والمبتدئة في الصلاة . وعلى كل فإن الوعي بالحركة واللفظ في الصلاة هي أدنى المراتب ، وهي التي ستخلص العبد من شرك الوقوع في الوساوس والهواجس التي عادة ما تكون مفروضة علينا بسبب دورة الحياة ومشاغلها ، كما أنها ستصل به إلى الدخول تدريجيا إلى الوعي بعاطفته الروحية، ومن ثم الوصول إلى المرتبة الأولى في الإحسان ، وهي عبادة الله وكأنه يرانا: (( فإن لم تكن تراه فإنه يراك ) )، وهي المرتبة التي يحس فيها العبد بملاحظة الله له ومراقبته إياه أثناء الصلاة ، فتأتي عبادته كلها على هذا النحو ، شعورا بالوجود أمام الله ، وإحساسا به في كل لحظة . وكلما داوم العبد على ذلك ، كلما ارتقى في درجات الرؤية ، حتى يصل إلى المرحلة الأخرى منها ، وهي تكشف الله أمام عبده ، أي (( أن تعبد الله كأنك تراه ) )، وتلك هي المرتبة الثانية للإحسان التي يتخلص فيها العبد نهائيا من تأثيرات الحياة الخارجية والدخول في عالم الله ، إنها المرحلة المنطقية التالية للبداية التي كان العبد فيها يسعى إلى التخلص من التأثير الخارجي، وما يقابل التأثير الخارجي هو عالم الله الخالي من التأثيرات والمنغصات ، وبمعنى آخر ، فإن الإحسان هو رؤية ما يقف خلف الحركة واللفظ والخشوع من وجود آخر، هو منبع ذلك كله ومصدره ، أي الله سبحانه وتعالى، فيحس العبد عندئذ بالحرية والعبادة وبالسمو والتواضع وبكل ما كان يشكل تناقضا في الحياة البسيطة، في أذهاننا قبل أن تتحرر.
ولتوضيح هذه النقطة المهمة ، نضرب مثلا بحالتنا حين نرى شخصا من مكان بعيد ، ففي حالات كثيرة ننجح فعلا في اكتشافه ، والسبب في ذلك هو أننا احتفظنا في ذاكرتنا بجملة خصائص عنه (تجريد بسيط) ، لكن القدرة الإنسانية ، هي أكبر من هذا بكثير، حيث ينجح الأشخاص في التعرف على آخرين حتى في مكان شبه مظلم ، أو قليل الإنارة ، وهذا يعني قدرة إنسانية كبيرة على الرؤية حتى في ظل عدم وجود شروط الرؤية بالاحتفاظ بإطار من الخصائص اللازمة لذلك، والمرحلة التي تقع خلف هذه المرحلة هي مرحلة الفكر ، التي هي نفس المرحلة السابقة بالاظافة فقط إلى أن الخصائص المحتفظ بها عن الأشياء أو الظواهر هي خصائص أكثر تجريدا وتستطيع احتواء كثير من التفاصيل . أما في الصلاة ، فالعبد ، يحاول تطوير نفس هذه القدرة ، أي الانتقال من مجال الحركة الظاهرية ( شخص قريب أو بعيد احتفظنا بملامحه- تجريد بسيط-) ، إلى مجال الرؤية الفكرية (ظواهر طبيعية واجتماعية ونفسية تم وعيها بقدرات التجريد أيضا- تجريد كبير- ) إلى مجال الرؤية الروحية ( الله الذي انطبعت فينا صفاته وأسماؤه بصورة فطرية- تجريد أكبر- ) ، فكل مرحلة من المراحل السابقة ، يتم فيها دمج مقدار من التفاصيل في خاصية واحدة تجمعها ، والمرحلتين الأولى والثانية ، هي ما يحدث للإنسان بصفة عامة ، سواء في حياته البسيطة ، أو في حياته العلمية حين يدرس الظواهر ويكشف عنها ، حيث يطور قدرات الوعي والتجريد لديه . أما المرحلة الثالثة فإنها لا تحدث إلا في الصلاة ، أو في العبادة عموما ، حيث يكون العبد في حالة من التجريد الأكبر للأشياء والتفاصيل الكثيرة والوجود بصفة عامة ، وكما يسعى العالم إلى التخلص من ذاتيته أثناء بحثه ومن جميع ما يمكن أن يهدد عمله ، كذلك يسعى المؤمن إلى التخلص من كل ما من شأنه أن ينغص عليه إحساس اللحظة لديه ، ليصل أخيرا إلى التحرر من الوجود الضيق وليدخل في عالم الله الأكثر شساعة، وفيه يحس بالسلام والطمأنينة والخشوع ، لأنه استطاع الارتقاء عن التفاصيل والفروع والأجزاء ، ونجح في التخلص من كثير مما كان يربطه بالواقع وضغوطاته .