إن الصلاة بهذا تبدو لنا ارتقاء دائما نحو التجديد والحرية ، انفلاتا من أسر ما هو إنساني وشيئي ، ودخول في عالم الله ، ولذا فإن طريقها كما رأينا ليس على نحو ما نعتقد ونألف، أي كعلاقة متوازية بين أشخاص في نفس المستوى ، بل على نحو ارتقائي ، يصعد فيه العبد نحو الله ، منطلقا من الحركة واللفظ ، إلى الإحساس والمعنى والرؤية ، وإذا داوم على ذلك ، أوتي الخشوع والبكاء، وأحس بالسلام . وإذا خرج من الصلاة ، كان أكثر تحكما في حياته ، لأنه استطاع التحكم في مراتب وعيه ، وتبعا للمرتبة التي وصل إليها العبد ، صارت حياته كذلك، حيث أن الذين وصلوا إلى مرتبة الإحسان في الصلاة ، ستكون حياتهم أحسانا بلا شك ، وخيرية تفيض على الآخرين ، أما من هم في المرتبة الأدنى ، فإن حياتهم كذلك ، ستكون حسب ما وصلوا إليه من درجة التحكم في مراتب الوعي السابقة ، لأن الحياة الإنسانية ، ما هي إلا وعي بالحالات السابقة ، وارتقاء بها لتكون مثلما هي في الصلاة . ولذلك تعتبر الصلاة طريقة من طرق التغيير ..
الصفة الجماعية للصلاة:
لا تتم صلاة العبد وحده وإنما في جماعة ، وللدقة نقول إنها تتم في صف ، أو صفوف متراصة ، وكما تبدو حركات الصلاة الخارجية ، من ركوع وسجود وقيام وجلوس أكثر منهجية وتنظيما ، تبدو الجماعة من صفوفها أيضا منظمة وممنهجة بصورة كبيرة ، والوعي الجماعي للصلاة هو الوعي بالوجود أمام الله مجتمعين ، حيث يضيف ذلك إلى النفس مقدارا كبيرا من العاطفة المفعمة بالتواصل مع الآخر والاتحاد معه أمام الله ، وإذا تم ذلك بصورة منظمة ، فإنه يخلق في الجماعة إحساسا مشتركا بالوحدة النفسية والاجتماعية ، إذ أن من أهم ما يوحد الجماعة الإنسانية ويقذف فيها روح الإرادة والحيوية هو دخولها لإنجاز عمل منظم وممنهج ، وبصورة مشتركة ، يقوم فيها كل واحد بنفس الفعل مع الآخر ، وبالتالي فهي تقوم بوظيفة التوحيد للجماعة الإنسانية المسلمة .
إن الاجتماع الإنساني في المسجد يكسر تلك الرغبة في التجاوز والتناقض ومحاولة التفوق على الآخر ، وهو ما تخلفه الحياة الاجتماعية كآثار سلبية على الحياة ، من الممكن أن تزيد هذا المجتمع تمزقا وتنافرا.
إن الاجتماع الإنساني في المسجد يكسر تلك الرغبة في التجاوز والتناقض ومحاولة التفوق على الآخر ، وهو ما تخلفه الحياة الاجتماعية كآثار سلبية على الحياة ، من الممكن أن تزيد هذا المجتمع تمزقا وتنافرا ، أما في المسجد وفي الصلاة ، فإن الله يوحد الجميع أمامه ، ذلك أن البشر حين يتجهون إلى شيء واحد ، وهو هنا الله بما يمثله من فكرة الوحدانية المطلقة، يختفي كل ما كان يؤسس للفرقة والاختلاف بينهم ، فالله هو القادر وحده على القضاء على التفاصيل والأجزاء المسببة للاختلاف بين البشر. ولذا تأتي الصلاة في الجماعة حاملة لهذا المعنى ، حيث تكون جميع الأفعال لله وحده ، كما أنها واحدة ، فالقيام والركوع والسجود ، وحتى الدعاء والتسبيح والتعظيم هي أشياء يقوم بها كل المصلين، دون اختلاف أو تباين ، ويضاف إلى ذلك الصف والتوجه إلى مكان واحد هو الكعبة المشرفة ، فتأتي الصلاة حاملة لفكرة الوحدانية من جميع جوانبها ،وهذا ما يقلب المعادلة الإنسانية في الحياة رأسا على عقب ، ويحولها من نمطها الصراعي ، إلى نمطها الوحدوي ، فتتسرب العاطفة الإيمانية بين الصفوف المتراصة ، لتحتوي الجميع في ظلها.
في المسجد وفي الصلاة ، يوحد الله الجميع أمامه ، ذلك أن البشر حين يتجهون إلى شيء واحد ، وهو هنا الله بما يمثله من فكرة الوحدانية ، هو القادر وحده على القضاء على التفاصيل والأجزاء المسببة للاختلاف بين البشر. ولذا تأتي الصلاة في الجماعة حاملة لهذا المعنى .
ولتوضيح هذه النقطة أيضا ، نضرب مثلا بسورة الإخلاص ، وهي: (( قل هو الله أحد . الله الصمد . لم يلد ولم يولد . ولم يكن له كفؤا أحد ) )وهي السورة المعبرة عن فكرة الوحدانية ، حيث تختلف هذه الفكرة عن أي فكرة أخرى، من حيث عدم حاجتها لكائن آخر ( الصمد) ، في مقابل البشر الذين يحتاجون إلى بعضهم بعضا وهو ما يساهم في الاختلاف بينهم ، ومن حيث تنزهها عن المنشأ القبلي الذي يساهم أيضا في الاختلاف بين البشر ( لم يلد ولم يولد) ، ومن حيث تنزهها عن الشبه بأي شيء آخر ( ولم يكن له كفؤا احد) ، وهو ما يكون لدى البشر في شكل مقارنات بين بعضهم البعض ، والذي يتسبب في الصراع بينهم . والاتجاه إلى الله بهذا المفهوم ، يحقق القضاء على كل ما يناقض الوحدة بين المؤمنين ، إذ يكونون وهم في تلك الحالة ، غير خاضعين لأي من تلك الأشكال السابقة التي تؤسس للاختلاف والصراع بينهم ، وهذا ما يحدث في الصلاة .