فهرس الكتاب

الصفحة 2952 من 27345

ويقول سيد قطب رحمه الله تعالى حول ظلال هذه الآية: وهنا يدعوهم دعوة خالصة إلى منهج البحث عن الحق (قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ) الآية، إنها دعوة إلى القيام لله عز وجل بعيدًا عن الهوى... بعيدًا عن المصلحة، بعيدًا عن ملابسات الأرض.. بعيدًا عن التأثر بالتيارات في البيئة والمؤثرات الشائعة في الجماعة، بعيدًا عن الهواتف والدوافع التي تستشجر في القلب فتبعد به عن الله تعالى.

دعوة إلى التعامل مع الواقع البسيط لا مع القضايا والدعاوى الرائجة ولا مع العبارات المطاطة التي يبتعد القلب والعقل عن مواجهة الحقيقة في بساطتها، دعوة إلى منطق الفطرة الهادي الصافي بعيدًا عن الضجيج والخلط واللبس والرؤية المضطربة والغبش الذي يحجب صفاء الحقيقة، وهي في الوقت ذاته منهج في البحث عن الحقيقة، منهج بسيط يعتمد على التجرد من الرواسب والمؤثرات، وعلى مراقبة الله عز رجل وتقواه وهي (وَاحِدَةٍ) إن تحققت صح المنهج واستقام الطريق: القيام لله لا لغرض ولا لهوى ولا لمصلحة ولا لنتيجة.. التجرد.. الخلوص.. ثم التفكر والتدبر بلا مؤثر خارج عن الواقع الذي يواجهه القائمون لله المتجردون.. (أَن تَقُومُوا لله مَثْنَى وَفُرَادَى) مثنى ليراجع أحدهما الآخر ويأخذ معه ويعطي في غير تأثر بعقلية الجماهير التي تتبع الانفعال الطارئ، ولا تتلبث لتتبع الحجة في هدوء، وفرادى مع النفس وجهًا لوجه في تمحيص هادئ عميق.

(ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا) فما عرفتم عنه إلا العقل والتدبر.

وما يقول شيئًا يدعو إلى التظنن بعقله ورشده.

إن هو إلا القول المحكم القوي المبين اهـ.

وبعد هذه النقول من بعض كتب التفسير حول هذه الآية نستطيع الآن توضيح مقومات هذه الموعظة العظيمة وشروط الانتفاع بها بما يلي:

الشرط الأول: (أَن تَقُومُوا لله) : إن هذا الشرط هو الأساس لكل عمل، وبدونه يفسد العمل، ولا يوفق فيه صاحبه ولا يبارك له فيه، فالقيام لله عز وجل هو المنطلق لصحة العمل إذا اقترن ذلك مع المتابعة فيه للرسول صلى الله عليه وسلم.

فالإخلاص في البحث عن الحق والصدق في طلبه شرط أساسي للوصول إلى ذلك الحق، وعندما يغيب الإخلاص ينعدم الانقياد إلى الحق حتى ولو كان مثل فلق الصبح، لأن من تعلق قصده بغير وجه ربه عز وجل ثقل عليه الانقياد للحق وقصرت همته عن بلوغه والعمل به.

فوجب على من أراد معرفة وجه الحق في أي أمر أن يخلص قصده ونيته لله عز وجل وأن يتجرد لاتباع الحق عند ظهوره، ولو على لسان مخالفه، وأن يعلم أن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل.

ولكن قد يكتنف القائم لله عز وجل بعض الملابسات والظروف التي قد تغطي على الحق أو تلبسه بالباطل، فيقبل الباطل ظانًا أنه الحق وذلك بسبب بعض الظروف المحيطة به لذلك فإنه لامناص من توفر باقي الشروط للانتفاع بموعظة الله عز وجل ومنهجه السوي في الوصول إلى الحق المنشود وذلك من.

الشرط الثاني: (مَثْنَى وَفُرَادَى) : والالتزام بهذا الشرط يقضي على عامل مهم من العوامل التي تغطي الحق أو تشوه وجهه، وذلك في مثل الأجواء الجماعية والجماهير الجاهلة والتي غالبًا ما تتصف بالغوغائية والتقليد الأعمى واتباع كل ناعق من رؤوس الضلال، مما قد يؤدي بطالب الحق المخلص إلى اتباع الأكثرية من الناس متهمًا نفسه وظانًا أن الحق مع الأكثرية، دون أن يدري أن هذه الحركة الغوغائية قد غطت الحق، وضيعت معالمه، فاشتبه مع غيره، خاصة عند من قلت بصيرته وقل نصيبه من هدى الله عز وجل وهدي رسوله صلى الله عليه وسلم، وهذا ما حدث من اتهام قريش للرسول صلى الله عليه وسلم بشكل جماهيري غوغائي، وقولهم ساحر وكاهن ومجنون..

الخ، فوعظهم الله عز وجل أن يقوموا لله ويخلصوا وجوههم له ويبتعدوا عن هذه الأجواء ويرجعوا إلى أنفسهم، حيث يقف الإنسان مع نفسه أو معه صاحبه ويصحب ذلك التفكير العميق والتدبر لحال الرسول صلى الله عليه وسلم، فلابد أن يصلوا إلى الحق والهدى وهو ما جاء في ختام الآية (مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ) .

ونخرج من هذه الآية بفائدة سيأتي تفصيلها في ثنايا البحث إن شاء الله، وهي أن القاصد للحق أو الباحث في مسألة خلافية كبيرة أو صغيرة عليه أن يتجنب المناظرة في جو جماعي، لأن المناظر يكون أقرب إلى ترك رأيه إذا تبين أن الحق في خلافه إذا كان التفكير مع شخص واحد، بخلاف حال الجماعة فقد يعز عليه الاعتراف بالخطأ أمام مؤيديه أو مخالفيه المجتمعين حوله، والله تعالى عليم بمسارب نفوس خلقه، خبير بطبائعهم فلذلك وعظهم موعظة من يعلم حالهم ويعلم ما يصلحهم ويهديهم إلى صراطه المستقيم ومنهجه القويم (أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت