فهرس الكتاب

الصفحة 2953 من 27345

الشرط الثالث: (ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا) : وهذا الشرط هو الوسيلة الأساسية للوصول إلى الحق بعد الالتزام بالشرطين السابقين، فالتفكير والعلم وإعمال الرأي هو المتمم لهذا المنهج الإلهي للوصول إلى الحق وتبين الهدى من الضلال، وهذا الشرط يقودنا إلى قضية هامة ألا وهي قضية العلم الشرعي، ومعرفة دين الله عز وجل، وإقامة الدليل والبرهان على ما يعتقد أنه الحق، وإذا كان الكفار الذين خوطبوا مباشرة بهذه الآية ووجهت إليهم هذه الموعظة العظيمة ما كان عندهم علم شرعي وليس عندهم الدليل فيما يعتقدونه فلذلك كان المطلوب منهم التفكير بحال الرسول صلى الله عليه وسلم وإقامة الدليل على ما يتهمونه به، إذا كان الأمر بالتفكير مع الكفار بهذه الصورة فإن الأمر بالنسبة لطالب الحق في المسائل الشرعية والعقائدية والفكرية فلا بد أن يكون مؤهلًا من الناحية العلمية لبحث هذه المسألة، ودراسة أوجه الخلاف حولها، وإلا لم يكن للتفكير فائدة كمن يحارب بغير سلاح ولا عدة، وقد كان عند كفار مكة من العلم بأحوال الرسول صلى الله عليه وسلم وصفاته وصدقه وأمانته ما يكفي، ولو أنهم فكروا في ذلك لقادهم ذلك إلى الإذعان والانقياد للحق الذي جاءهم به الرسول صلى الله عليه وسلم.

وكذلك الحال لكل مختلفين أو متناظرين إذا لم يكن لديهم علم بما يختلفون فيه فإنه لا فائدة من التفكير، لأن أداة التفكير الأساسية هي العلم بحال القضية المختلف فيها فالمقصود إذن بالتفكير هنا هو البحث عن الأدلة الشرعية والتحقق من ثبوتها ودلالتها على المراد، كما يدخل في العلم أيضًا العلم بحال القضية المختلف حولها وملابساتها..

الخ.

فالجاهل بذلك كله لا يستطيع الوصول إلى الحق لفقده الأدوات الموصلة إليه، فلذلك نجد مثال هؤلاء يوجههم التقليد الأعمى دون فكر أو نظر.

وإذا كان الله عز وجل قد بين لنا في كتابه الكريم منهجًا للوصول إلى الحق فيما اختلف فيه، فإن هذا المنهج وذلك الطريق السوي يمر أحيانًا عبر أنواع من الحوار والمناظرة لابد منها، فالمتتبع لمنهج الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في الدعوة إلى الله وحده يجد أن أكثرهم قد وقف مع قومه موقف المناظرة وإقامة الحجة والنصح، وتبين الحق من الباطل، والصبر على ذلك، مع شدة رفضهم للحق وعنادهم وتعنتهم، ولكن مهمة البلاغ والدعوة إلى الله عز وجل تستلزم شيئًا من ضبط النفس والتحمل حتى يتم البلاغ على أكمل وجه.

ولكثرة الخلاف الواقع بين طوائف المسلمين اليوم، وخاصة بين الطوائف إلى أهل السنة؛ فإنا نقدم هذه الكلمات التي نحسب أن فيها إشارة إلى الطريقة المثلى في الحوار والمناظرة المؤدية بإذن الله عز وجل إلى الاجتماع والائتلاف في حدود منهج السلف وأصول الشريعة، وقد اتضح من الآية السابقة التي هي موضع البحث أصول للحوار نطرحها بهذه المناسبة ونضيف عليها ما وقع عليه الفكر والنظر من آداب الخلاف، وقبل ذكر هذه الأصول يحسن التقدمة لها بأهمية هذا الموضوع، وبعض التعريفات والوقفات السريعة.

أهمية هذا الموضوع: إن الإلمام بآداب الحوار والاختلاف أمر مهم ينفع صاحبه في حياته كلها، وبخاصة الداعية إلى الله عز وجل، وهذه الجوانب المفيدة كثيرة نقتصر منها على ما يلي: 1 من المعلوم أن مهمة الداعية إلى الله عز وجل هي بذل الأسباب في هداية الناس ودلالتهم إلى الخير، ولابد أن يواجهه في ذلك التواءات النفوس وخلافهم معه في الرأي، فإذا لم يكن لديه من الإلمام بآداب الحوار والاختلاف الشيء الكافي لكي يصبر ويستمر في دعوته فقد ينفر الناس منه وهو يسعى لجمعهم وهدايتهم إلى الصراط المستقيم.

2 إن أهمية الإلمام بآداب الحوار والاختلاف ترجع للظروف الملحة في هذا العصر الذي يعد عصر تعدد الجماعات الإسلامية والفرقة الموجودة بينهم، وذلك لأن الإلمام بذلك يساعد في تقارب القلوب وتفهم الأفكار مما يكون له الأثر في تضييق هوة الخلاف والتماس العذر للعاملين في الدعوة الإسلامية، وهذا يؤدي إلى الوحدة المنشودة.

3 كما يفيد تفهم هذه الآداب أيضًا في معالجة وجهات النظر المختلفة التي تكون بين أفراد المجموعة الواحدة، بل أفراد العائلة الواحدة لأن فقد هذه الآداب يضخم المشاكل ويجعل من الحبة قبة كما يقولون.

الفرد بين الجدال والحوار: الجدال: مصدر جادل وهو المناقشة على سبيل المخاصمة، ومقابلة الحجة بالحجة.

والحوار: الجواب.

حاوره محاورة وحوارًا جاوبه وراجعه.

فهو مراجعة في الكلام بين طرفين أو اكثر دون ما يدل بالضرورة على وجود خصومة بينهما، وقد يكون الجدل والحوار بمعنى واحد إذا خلا الجدل من العناد والتعنت للرأي كما ذكر تعالى في سورة المجادلة حيث قال: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) فسمى الله سبحانه وتعالى مجادلة المرأة للرسول صلى الله عليه وسلم ومجاوبته لها محاورة، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت