مطَّلِع .
غير أن هذه المعوّقات و غيرها لم تحدّ من عزمي على إنجاز البحث فاستعنت بالله و لم أعجز ، و شرعت في الجمع و التدوين حتى ظهر على الحال التي أدفع به عليها إلى المكتبة الإسلاميّة اليوم مشتملًا على خمسة مباحث هي:
المبحث الأول: نبذة جغرافيَّة عن البوسنة و الهرسك
المبحث الثاني: التركيبة السكانية في البوسنة و الهرسك
المبحث الثالث: تاريخ البوسنة و الهرسك
المبحث الرابع: العقائد و الأديان في البوسنة و الهرسك
المبحث الخامس: معالم إسلاميّة في البوسنة و الهرسك
و ختمت بحثي بتعداد موجز لأهم ما يمكن المقتصد الخلوص إليه و الوقوف عليه ، و لا يغني من يبتغي التوسع عن الرجوع إليه ، و ما هو إلا جهد مقلّ إن أصبت فيه فمن الله ، و إن أخطأت فمن نفسي و من الشيطان و أفوّض أمري إلى الله إنّ الله بصير بالعباد .
و إنني اليوم إذ أضعه بين يدي القارئ ، لأسأله أن يهديني عيوبي ، علّي أستدرك فيما بقي من عمري ، و أن لا ينساني من دعوة بظهر الغيب أدّخرها عند ربي ليوم لا ينفع فيه مالٌ و لا بنون إلاّ من أتى الله بقلبٍ سليم ، و ما توفيقي إلاّ بالله عليه توكّلت و إليه أنيب .
إسطنبول
في غرّة شهر المحرّم عام 1422 للهجرة
الموافق للسادس و العشرين من آذار ( مارس ) عام 2001 للميلاد
المبحث الأول
نبذة جغرافية عن البوسنة و الهرسك
تتكوَّن بلاد البوسنة و الهرسك - كما يظهر من اسمها الثُنائي - من إقليمَي
( البوسنة ) في الشمال و ( الهرسك ) في الجنوب ، و هذان الإقليمان المتجاوِران المتكاملان ، كثيرًا ما كانا يتَّحِدان و يتكاملان ، أو ينفصلان و يتناحران ، تَبعًا لأهواء السَّاسة المُتربِّعين على عرش كُلٍ منهما ، خلال الحُقَب المُتعاقبة .
و فيما يلي تعريفٌ موجز بكلا الإقليمين:
أوَّلًا: إقليم البوسنة: و هو عبارة عن بلاد واسعة تقع في الشمال الغربيِّ من شبه جزيرة البلقان (1) في أوروبَّا الشرقيَّة ، و يحدُّه من الشمال نهر صاوة (Sava) و من الشرق نهر درايينا ، ومن الغرب بلاد دلماسيا (Dalmacija) ، ومن الجنوب إقليم الهرسك (2) .
و قد اكتسبت البوسنة اسمها هذا - على الراجح - من اسم أشهر أنهارها ، و هو نهر البوسنة ( Bosna Rijeka ) ، الذي ينبع من سفح جبل إغْمِن ( Igman ) الواقع جنوب البوسنة على مقربةٍ من العاصمة و يمتد في أنحاء البلاد مرورًا بثلاثةٍ من كبريات مدن البوسنة هي: سراييفو ( Sarajevo ) و زينتسا ( Zenica ) و دوبوي ( Doboj ) بطوله البالغ ( 303 ) كيلو مترًا ، أي ( 188 ) ميلًا (3) و تتفرَّع منه فروعٌ كثيرة يبلغ طولها نحو (10480 ) كيلو مترًا ، أي ( 6513 م ) تُغذِّي مُختلف أنحاء البوسنة و تصُبُّ في نهر صاوة في الشمال و ربّما كانت تسمية نهر البوسنة هذه مُقتبسةٌ من الكلمة الإيليريّة ( بوسينوس ) أو من كلمة ( بوس ) التي تعني الماء الجاري في تلك اللغة (4) .
و قد ذهب بعضُ المُؤرِّخين إلى أنَّ القبائل السلافية المهاجرة من القوقاز إلى البلقان ، جلبت هذا الاسم معها و أطلقته على الإقليم بعد أن استوطنته ، وبموجِب هذا الرأي يكون اسمًا طارئًا على البوسنة ، ورد عليها من خارجها .
بينما يرى آخرون أنَّه مُشتقٌ من كلمة ( باساتي ) القديمة ، أو كلمة ( باز ) التي تعني المِلح ، إذ تشتهر به بعض مناطق البوسنة ، و منها توزلا (Tuzla) حتى إن عوائد الآبار المالحة فيها كانت إحدى الموارد الاقتصادية الهامة في البلاد ، و كان ينفق منها على المؤسسات التعليمية ( المدارس و الكتاتيب والمدارس ) بتوزلا العليا و الدنيا ، حتى سقوط البوسنة تحت الاحتلال النمساوي المجري سنة 1295هـ / 1878م (5) .
و استعمِل اسم البوسنة للدلالة على كيانٍ جُغرافي و سياسي مُستقِل منذ القرن الرابع للهجرة / العاشر للميلاد ، حين كانت المنطقة - كسائر مناطق البلقان - مرتعًا خِصبًا للإقطاع .
(1) ... البلقان: Balkan: شبه جزيرة جبلية ، جنوبي شرق أوربا ، يدخل فيها ألبانيا ، اليونان ، جنوب شرق رومانيا ، بلغاريا ، تركيا الأوربية ، ومعظم يوغسلافيا سابقًا .
... انظر: الموسوعة العربية الميسرة لأشرف غربال ، ص: 399 - 400 .
(2) ... انظر: مُحمَّد بن مُحمَّد الخانجي: الجوهر الأسنى في تراجم علماء و شعراء بوسنة ، بتحقيق الدكتور عبد الفتاح مُحمَّد الحلو ، ص: 10 .
(3) ... انظر: وكالة الأنباء الإسلاميَّة: البوسنة و الهرسك ، قصَّة شعب مسلم ، ص: 143.
(4) ... انظر: الدكتور جمال الدين سيِّد مُحمَّد: البوسنة00 دراسةً ، ص: 11 .
(5) ... انظر: إدريس عبد الله الدريس: مُدُنٌ تقطر دمًا ، ص: 143 .
و: الشيخ محمد الخانجي: الجوهر الأسنى ، ص: 51 .
و: محمد صالح سباهيتش: توزلا بين الماضي و الحاضر ، ص: 250 .