ثم تأتي الرواية الأخرى عن رحلته صلى الله عليه وسلم بتجارة الطاهرة ـ خديجة ـ إلى الشام ، حيث أتيح لفتاها ميسرة أن يرى ويسمع من خلال محمد صلى الله عليه وسلم ما ملأ قلبه إعجابًا وتقديرًا .
ولا تقف الرواية عند هذا الحد ، بل تضم إليه أيضًا بعض المشاهد الخارقة التي أحاطت بالرفيق الكريم أثناء رحلته ، من تضليل الغمام ورعاية الملكين له .. وإخبار راهب نصراني لميسرة بما يفيد أن رفيقه مرشح لمقام النبوة ... (2) حتى إذا وصل ركبهما مكة ذهب ميسرة يحدث مولاته خديجة بمرئياته ومسموعاته ، وبخاصة كلمة الراهب ، فلم تتمالك أن مضت إلى ابن عمها ورقة بن نوفل تذكر له حديث ميسرة ، فما كان من هذا إلا أن أكد لها توقعات الراهب قائلًا: لئن كان هذا حقًا يا خديجة إن محمدًا لنبي هذه الأمة .. (3)
وتمضي الرواية فتعرض لنا اهتمام ورقة عقيب ذلك بخبر محمد صلى الله عليه وسلم حتى ليترجم أشواقه إلى يوم إعلانه دعوته بأبيات نثبت فيما يلي بعضها .
لججت ، وكنتن في الذكرى لجوجًا
ووصف من خديجة بعد iiوصف
ببطن المكتين على رجائي
بما خبرتنا من قول iiقسّ
بأن محمدًا سيسود iiفينا
ويظهر في البلاد ضياء iiنور
فياليتي إذا ما كان iiذاكم
ولوجا في الذي كرهت iiقريش ...
... لهمّ طالما بعث iiالنشيجا
فقد طال انتظاري يا iiخديجا
حديثك أن أرى منه iiخروجا
من الرهبان أكره أن iiيعوجا
ويخصم من يكون له iiحجيجا
يقيم به البرية أن iiتموجا
شهدت وكنت أكثرهم iiولوجا
ولو عجت بمكتها iiعجيجا
ويتبع هذه الروايات أخبار أخرى عن كهنة العرب ، تشير على مبعث النبي الموعود ، مرة بالرمز إليه ، وأخرى بالتصريح عن اسمه .. وحسبنا منها جميعًا معالجة الخبرين الأولين بالممكن من التدقيق في قيمتهما العلمية ومدى صلتهما بالواقع .
ونبدأ بخبر بحيرا .. فمع اختلاف مؤرخي السيرة في شخصيته ونسبه وملته يكادون يتفقون على كونه من أحبار أهل الكتاب ، قد أقام في صومعته تلك يعبد الله في معزل عن مفاسد عصره . وحين يعرضون ليوم لقائه محمدًا صلى الله عليه وسلم مع عمه أبي طالب يكادون يتفقون كذلك على تنويهه بشأنه ، بعد تحققه من صفاته التي يجدها في بعض آثار الأنبياء السابقين .. ويزيد بعضهم أنه على مرأى ومسمع من أشياخ الركب (أخذ بيد محمد صلى الله عليه وسلم فقال: هذا سيد العالمين ، وفي رواية الترمذي والبيهقي قال: هذا رسول رب العالمين بعثه الله رحمة للعالمين ..) ولما سأله هؤلاء عن مستند علمه عنه أجاب (إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يبق شجرة ولا حجر إلا خر ساجدًا ، ولا يسجدون غلا لنبي .. وإني أعرفه بخاتم النبوة أسفل من غضروف في كتفه ..) ولم يكتف بالخبر فأراهم فأراهم الشجرة وهي تفيء بظلها عليه .. ثم ما زال بعمه حتى رده إلى مكة حماية له من الروم ـ وفي رواية من يهود ـ وتختم هذه الرواية بأن أبا بكر بعث معه بلالًا وزوده الراهب بالكعك والزيت (4) .
والذي يهمنا من حديث بحيرا هو إخباره بمستقبل محمد صلى الله عليه وسلم من حيث اصطفاء الله إياه لرسالته الخاتمة ، وتوكيده ذلك بسجود الشجر والحجر له .. فها هنا يتوقف القارئ المفكر ليتساءل عن نصيب القصة من الواقع ، وبخاصة أن بحيرا لم يلق بالخبر همسًا في مسمع واحد بعينه بل أعلنه صراحة على ملأ من أفراد الركب ، الذي طالبه أشياخهم بالبرهان على مدعاه ..
وأنت حين تواجه هذا الخبر لابد لك من التساؤل كيف ينسى محمد صلى الله عليه وسلم ذلك النبأ في ما بعد ، وما بال أشياخ قريش ينسونه أيضًا ، فلا يتذكرونه يوم يطلع عليهم بدعوة ربه ؟ .. بل يقابلونها بالجحود والعناد ، الذي يقطع بأن المعارضين قد فوجئوا بها ، كما فوجئ بها محمد صلى الله عليه وسلم نفسه ، الذي ناء تحت ثقله أول الأمر، ثم لم يطمئن قلبه إليها إلا بعد أن ثبته الله بلطفه ، وبما يسر له من عون الزوج العظيمة خديجة ..
ونظرة أخيرة إلى خاتمة القصة تكشف لك عن واحدة من المشكلات التي لا تجد لها حلًا .. إذ المعلوم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان في الثانية عشرة ، يكبر صديقه أبا بكر بما يقارب الثلاث من السنوات ، إذ كان ما بين التاسعة والعاشرة ، ولم تذكر له السيرة أي صلة ببلال ، الذي كان في رق أمية بن خلف حتى يوم انتقاله إلى ملك الصديق في أوائل سني البعثة .. فكيف كبر الصديق حتى قام بمسؤولية الحماية لمحمد ؟.. وكيف أفلت بلال من رق أمية ودخل في سلطان ودخل في سلطان الصديق ؟.. وكيف ارتفعت سنه بغتة حتى صار قادرًا على القيام بهذه المهمة ؟ ! ومن أين جاء اسم الكعك إلى القصة وهو لفظ لعله لم يتطرق إلى العربية إلا بعد الفتح الإسلامي ؟!!