وهذه الحيرة التي تراودك بإزاء القصة قد سبقتنا إليها عدد من رجال الحديث الذين لم يستطيعوا ردها تهيبًا لسنده ولكنهم لم يكتموا رأيهم بأن من حملها إنما حملها لغرابتها مع التوكيد على انفراد راويها الأخير بها ، حتى أن ابن إسحاق نفسه لم يستطع عرضها إلا في صيغة"الزعم"التي تنم عن منتهى الشك (5) وكذلك فعل ابن كثير حين وجه إليها نقدًا يوشك أن يكون ردًا للرواية بأسرها ، ومثله صنع الزرقاني في شرحه على المواهب إذ نقل تضعيف الذهبي للخبر (6) كما فعل البيهقي بقوله نقلًا عن أحدهم (ليس في الدنيا مخلوق يحدث به غير قراد) (7) .
وننتقل الآن إلى القسم الثاني .
لقد قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بتجارة خديجة وهو في الخامسة والعشرين من سنيه ، وكان رفيقه في هذا الرحلة ميسرة غلامها ، ولابد أنها استغرقت طويلًا من الزمن ، وبذلك أتيح لميسرة وهو العاقل الفهم ـ كما يلوح من خلال الرواية ـ أن يشهد من خلائق محمد وسمو تصرفاته أثناءها ما يدفعه إلى الحديث عنهما لكل من يتصل به وبخاصة مولاته خديجة ، التي لا بد أنها أصغت إلى روايته تلك بإعجاب الكريم الفاضل يسمع أنباء إنسان بلغ القمة في عالم الفضائل ، حتى ليدفعها ذلك الإعجاب إلى التفكير في الاقتران به . وسواء توسلت إلى هذه الأمنية الغالية بعرض أمرها عليه مباشرة ـ كرواية ابن إسحاق (10) ـ أو بوساطة المرأة الحكيمة نفيسة بنت علية (11) أو عن طريق أخت لخديجة في إحدى الروايات ، فقد أتم الله ذلك القران السعيد الذي عم ببركته لا بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فحسب بل العالم الإسلامي بأجمعه حتى الساعة .
وإلى هنا والخبر طبيعي ومعقول ، ولكن التوقف إنما يتأتى عند بقيته ، حيث نرى خديجة رضي الله عنها مشغولة الذهن بموضوع الغمامة والملائكة وخبر النبوة ، حتى لا تتمالك أن تقصد إلى ذلك الرجل الحكيم العليم ورقة بن نوفل لتتعرف تأويل تلك الظواهر ، فتسمع منه البشرى بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم فيكون ذلك باعثها الفعال على طلب الزواج منه .
وبقليل من التأمل في مسيرة هذا الجزء من الرواية يتضح اضطرابه هو الآخر ذلك أن خبرًا كهذا تسمعه خديجة من ميسرة ثم من ورقة من حقه أن يصل إلى محمد صلى الله عليه وسلم عقب زواجه أو خلال الخمس عشرة سنة التي سبقت الوحي ، وهذا ما ترفضه الوقائع ، التي تؤكد أن محمدًا وخديجة كليهما كانا سواء في خلو ذهنيهما من أمر الوحي ، إذ فاجأه على غير انتظار، وفاجأها به في جو من الروع المهيب ، فلم تجد ما تقوله له سوى التذكير بفضائله التي لا يقاربها الشيطان .. وحسبنا دليلًا حاسمًا على خلو ذهنه صلى الله عليه وسلم من موضوع النبوة كليًا قول ربه له تبارك اسمه: [وكذلك أوحينا إليك روحًا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ..] (الشورى 52) . وهو توكيد جازم لما سبق من قوله الآخر سبحانه في سورة الضحى [ووجدك ضالًا فهدى] ففي كلتا الآيتين تصوير عميق الدلالة على الوضع النفسي الذي كان يلابس محمدًا صلى الله عليه وسلم قبل الوحي ، فهو في حيرة لا يعرف السبيل إلى جلائها ، فلا فكرة لديه عن رسالات الله ، ولا يعرف من الإيمان سوى التوحيد الفطري الذي ينطق به كل شيء في هذا الكون ، إلى أن فاجأه الزائر العظيم في أحضان حراء ..
ومن هذا كله نجد أنفسنا تلقاء أمرين: أحدهما الشك في خبر الراهب النصراني عن الغمام والملائكة والشجرة التي (ما نزل تحتها نبي قط) (11) والثاني أن يكون اتصال خديجة بورقة لاستطلاع رأيه لم يأت عقيب عودته وميسرة من الشام ، بل الأحرى أن يكون حصوله على أثر نزول الوحي مباشرة ، يوم عاد إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف من الروع ، فذهبت به إلى ابن عمها الذي طمأنه وبشره بالنبوة (12) .
وعلى هذا التقدير يكون ثمة تقديم وتأخير في أجزاء الحادث المتصل ببشرى ورقة .. ولعلنا لو أعدنا ترتيب هذه الأجزاء وفق منطق الحوادث لوجدنا أنفسنا تلقاء الصورة التالية أو قريبًا منها:
يعود رسول الله صلى الله عليه وسلم إثر اللحظة الهائلة التي قدر له فيها لقاء جبريل عليه السلام إلى خديجة يرتجف من الروع ، فتتلقاه بأحسن ما تملك من كريم الرعاية وجميل البيان ، حتى إذا اطمأنت إلى هدوئه ، أخذت سبيلها في زورة عجلى إلى ابن عمها ورقة ، أعلم أهل مكة بأمور الدين ، فما إن يسمع حديثها عن تلك المفاجأة حتى يهزه الوجد ، ويأخذ في التسبيح: قدوس قدوس .. ثم يصرح بالبشرى: (والذي نفسي بيده لئن كنت صدقتني يا خديجة لقد جاءه الناموس الأكبر ـ جبريل ـ وإنه لنبي هذه الأمة ، فقولي له فليثبت) (13) .