و ظاهر هذا الحديث يدل على جواز ذكر الميت بالسوء - الذي يدخل في مسمى السبِّ - ففي إقرار النبي صلى الله عليه وسلَّم لمن فعله بين يديه ، و ترتيبه الحُكم بوجوب النار عليه ، ما يدلُّ على جوازه ، و لذلك أشكل القول بالتحريم المطلق على من تعسَّر عليه الجمع بين هذه النصوص .
و مَن جَمَع بين النصوص ذهب إلى التفريق بين حال و أخرى من أحوال سب الميت أو غيبته ، و لعل صاحب الصحيح أشار إلى اختلاف الحكم بحسب اختلاف حال الميت حينما قال: ( باب ما يُنْهى من سبِّ الأموات ) ، حيث استعمل ( مِن ) التبعيضية ، و كأنَّه يشير إلى ورود النهي عن سب الأموات في بعض الأحوال فقط ، و ليس على الإطلاق .
و ذهب بعض أهل العلم إلى التفريق بين السب و بين مطلق الذكر بالشر ، حمله على ذلك الجمع النصوص .
قال الإمام المناوي رحمه الله في فتح القدير: ( السب غير الذكر بالشر ، و بفرض عدم المغايرة فالجائز سب الأشرار و المنهي سب الأخيار ) .
قلتُ: و من خضم هذا الخلاف نخرج بأن النهي عن سب الأموات و الوقوع فيهم بالغيبة ، و النيل من أعراضهم بالحط و الغمز و اللمز ؛ حكمه حكم نظيره الواقع في حق الأحياء ، فمن جازت غيبته و مسبته حيًا ؛ جاز ذلك في حقه ميتًا ، و هو الكافر ، و المنافق ، و الفاسق المجاهر بفسق أو بدعةٍ أو الداعي إلى شيءٍ من ذلك ، فيُذْكَر هذا بما فيه من شرٍ متعدٍِ ، شهادةً بما فيه ، و تنبيهًا لغيره ، و تنفيرًا منه ؛ ليحذره الناس ، و لا يكون ذلك إلا ببيّنة و برهان ، لا ريبة فيهما و لا ارتياب ، لأن الكلام في المسلم حيًا أو ميتًا بما ليس فيه من البهتان المحرم ، و إن كان بما فيه من غير وجود مبرر و مقتضٍ شرعيٍ لذكره فهو من الغيبة المحرمة ؛ و كلا الأمرين من الكبائر الموبقة .
أما سائر المسلمين ، و عموم الموحدِّين ؛ فلا يجوز انتهاك حرماتهم أو التعرض لهم بالسب أو الشتم أو السعي بالغيبة و النميمة أحياءً و لا أمواتًا ، و ليحذر من يخوض في أعراض المسلمين متجنيًا من أن يسوق بريئًا خصمًا له بين يدي ملك الملوك ، و أحكَم الحاكمين ، و مُنصف المظلومين .
قال الإمام النووي رحمه الله [ في شرحه لصحيح مسلم: 7 / 20 ] : ( فان قيل: كيف مكنوا بالثناء بالشر مع الحديث الصحيح في البخاري و غيره في النهي عن سب الأموات ؟ فالجواب:( أن النهي عن سب الأموات هو في غير المنافق و سائر الكفار ، و في غير المتظاهر بفسق أو بدعة ، فأما هؤلاء فلا يحرم ذكرهم بشر للتحذير من طريقتهم ، و من الاقتداء بآثارهم و التخلق بأخلاقهم . و هذا الحديث محمول على أن الذي أثنوا عليه شرًا كان مشهورًا بنفاق أو نحوه مما ذكرنا ، هذا هو الصواب في الجواب عنه ، و في الجمع بينه و بين النهي عن السب ) .
هذا ، و لا عاصم إلا من عصمه الله ، و ما توفيقي إلا بالله .