فهرس الكتاب

الصفحة 24563 من 27345

02 وفي الصفات التي رسمها القرآن لقادة الأمم، ومَنَّ بها على الأنبياء صفة الحكمة ( ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله) [ لقمان: 12] (ولقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة) [ النساء: 54] ( يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا) [ البقرة: 269] والحكمة في أصل معناها ترجع إلى المنع طلبًا للإصلاح، فالحكيم هو الذي يصرف نفسه عن هواها، والحكمة هي وضع الشيء في موضعه وهي بذلك التعريف تشمل العلم والعمل، وحين ذكر الله - سبحانه وتعالى- في سورة الإسراء أصولًا من الأخلاق والأوامر والنواهي، عقَّب على ذلك بقوله: ( ذلك مما أوحى إليه ربك من الحكمة) [ الإسراء: 39] . إنها معرفة الحق وعمل الخير. ولون في الفطنة تنتهي بصاحبها إلى الرأي السديد، وبها يتغلب القائد على هواه، ولا يغلبه الحق، ولا تسنفزه غَيْرة من رؤوس تظهر حوله، وبالحكمة يتخلص القائد من المباغتات الطارئة، ويدبر للمواقف المتغيرة.

لا تلتمس هذه الحكمة عند أصحاب التفاصح في البيان ولا أصحاب الكلام النظري والتأمل المجرد، ولكنها تلتمس عند الذين يمارسون عملية تزكية النفس وتزكية الآخرين، ويقدرون على تناول الأمور بلطف وحسن تدبير، يدخلون البيوت من أبوابها، ويملكون الخارطات الصحيحة التي تريهم بوضوح الوجهة التي تريد. بل إن الغوص في التأمل النظري قد يؤدي إلى الشك والحذر وتضييع الفرص. أو إلى افتراضات غير واقعية، إن المتعمقين في أصناف العلوم ليسوا هم الأجدر بامتلاك الحكمة إذا لم يمارسوها عمليًا، وكما قيل:"عندما تكبر الحكمة تتضاءل المعلومات، حيث تبتلع المبادئ الكثير من التفاصيل، فالتفاصيل تأتي أثناء ممارسة الحياة" (2)

3.أقام القرآن رسل الله في مقام القدوة (قد كانت لكم أسوة حسنة، إبراهيم والذين معه) [الممتحنة: 4] ،"لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا" [الأحزاب:21] .

"أراد الله سبحانه بذكر سيدنا إبراهيم أن يشعرنا بأن لنا في بناء الحق وهدم الباطل أصلًا عريقًا ونسبًا طويلًا عريضًا، ومتى شعر الإنسان الصحيح الفطرة بزكاء الأصل تحركت فيه نوازع النخوة" (3) .

وحيث قرر القرآن بشرية هؤلاء الرسل إنما أراد أن يتم الاقتداء بهم وأن يبطل حجة المعاندين المراوغين عن الحق، وبسبب هذه الأسوة، وهذا النموذج، كملت شمائل هؤلاء الرسل، وعظمت همتهم ونجدتهم، وألقى في نفوسهم الاستعداد لاحتمال الآلام والصبر على العظائم، فلا يبطرهم نصر، ولا يطمعون في حياة خالية من الشدائد، يطلبون الحق ولو ضل جميع الناس كما جاء في الحديث عن حذيفة بن اليمان - رضي الله عنه -، عندما سأل الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن المسلم يلقى الشر قال له الرسول - صلى الله عليه وسلم -"تبقى على الحق ولو أن تعض على أصل شجرة".

4.ومن صفات الرسل القادة التي ذكرها القرآن الكريم: تلك الثقة المطلقة بما يدعون إليه، لا يساور أحدهم شك فيما يعي إليه من أهداف، قلبه مطمئن مهما اعترض سبيله من عوائق، يجابه المخالفين ولو كانوا كثرة كاثرة، أما الذين يروعهم الخطر اليسير وتخلع قلوبهم لأي طارئ، وتشغلهم المراتب وتلهيهم المعاشات فهؤلاء لا يصلحون للقيادة ولا تصلح لهم، كان القرآن يطمئن الرسل والذين معهم أنهم منصورون (وكان حقًا علينا نصر المؤمنين) [الروم: 47] وهكذا يجب على القادة أن يحملوا أراهم التفاؤل والصبر، خاصة في ظروف كظروف المسلمين اليوم حيث تكالب الغرب عليهم في كل الوجوه، وإنه لمن الآفات المهلكة أن تضعف الثقة بنصر الله، وأن يشيع القائد في صفوف الجماعة روح اليأس والفشل.

5.ومن صفات القادة والرسل: الشجاعة، وهي في أعظم ميزات القائد، سواء في ذلك الشجاعة المادية أو المعنوية، وقد جاء في الحديث:"شر ما في المرء شح هالع وجبن خالع) ومن أعظم أنواع الشجاعة أن تجابه الجمع على إذا كنت تعتقد أنك على الحق وقد جابه موسى -عليه السلام- فرعون وقومه وهو وحيد وليس معه إلا أخاه هارون -عليه السلام-، وجابه الرسول - صلى الله عليه وسلم - قومه، وهو وحيد فريد في قلة قليلة، إن قرار شجاعًا في اللحظات الحرجة يبطل قلق المترددين وحيره الحائرين ويأتي النصر بإذن الله. (1) وهي ظاهرة عند غير المسلمين أيضًا"

(2) ستيفن كوفي: إدارة الأولويات 100 والكلام للفيلسوف (وايتهد)

(3) آثار البشر الإبراهيم 1/394

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت