ومن أهم الروابط الإِيمانية التي يرعاها الإِسلام ويفصّل حقوقها ومسؤولياتها روابط الأسرة ، الروابط التي تربط بين الزوج والزوجة ، وبين الوالدين والأبناء ، وبين الأبناء أنفسهم ، لتظلّ الأسرة هي النواة التي يبنى منها المجتمع والأمة ، والحياة البشرية ، يرعى الإِسلام هذه الروابط الإيمانية رعاية تصونها من الانحراف أو التحول إِلى عصبيات جاهليّة تنصر الباطل عن الحق . وترعاها رعاية تحفظ لها قوتها وعدالتها . برّ الأبناء بوالديهم برّ يفصله الإسلام تفصيلًا ، وحنان الأبوين على الأبناء ورعايتهما لهم يرعاه الإسلام ويغذيه ليوفي الحنان بالحقوق وليقوم بالمسؤوليات .
إن الصورة من امتداد النظرة لحقوق الإنسان ومسؤولياته وشمولها نظرة فريدة ، لا تجدها لدى أيّ شعب ولا لدى أي تشريع . لقد تفككت الأسرة في حضارة القرن العشرين في دنيا العَلمانية ، وتمزّقت روابط الأسرة وتقطعت وشائجها .
(( فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم ) ) [ محمد: 22 ]
وهذا هو المعنى السابع لامتداد النظرة في الإسلام وشمولها لحقوق الإنسان .
والمعنى الثامن لامتداد حقوق الإنسان في الإسلام وشمولها هو في نظرة الإسلام إلى المرأة وحقوقها . فلا تنحصر الحقوق في الإسلام بالرجل ، وإنما تشمل المرأة وترعاها في جميع أعمارها وأحوالها ، طفلة وصبية وزوجة وأمًّا . ويعطي الإسلام تفصيلات لكل حالة من هذه الحالات . ويرعى المرأة وحقوقها عند الزواج والطلاق ، والميراث والعلم في حدود ما شرع الله ، وأعطاها حق التملك والتصرّف بأموالها ، وغير ذلك .
لقد انتقلت المرأة بالإسلام نقلة عظيمة جدًا لم تعرفها في تاريخ أي شعب من الشعوب . إنها انتقلت من الجاهليّة إلى الإسلام ، إِلى نور الإِيمان والتوحيد ، فأعاد لها إنسانيَّتها وفطرتها التي فطرها الله عليها سليمة نقيّة ، ونبعت حقوقها ومسؤولياتها من القاعدة ذاتها ، قاعدة الإيمان والتوحيد .
لقد شعرت المرأة في الإسلام بحُرّيَّتها الطاهرة الحقيقية ، لا بحريَّة الدنس والجنس والفاحشة ، ولا بحريّة الفتنة والفساد والجريمة .
لقد شعرت المرأة في الإسلام بالأمن والطمأنينة والأمان ، حين عرفت حقوقها التي شرعها الله لها ، وحين جعل الله الزوجَ قوّامًا في البيت ، ليرعى حقوق جميع أفراد الأسرة من زوجة وبنين وبنات ومسؤولياتهم ، وليحاسَب عليها كما تُحاسب المرأة بين يدي الله ، وحين جعل الإِسلام مؤسسات الأُمة كلها ترعى هذه الحقوق جميعها وتحميها: المعاهد ، والقضاء ، والولاة ، والعلماء وأولو الأمر ، وقبل كله برُّ الأبناء الذي أمر به الله ، ورعاية الزوج وحدبه ووفاؤه ، والسكن الذي ينشأ من ذلك كله . إن هذا المن الذي تجده المرأة المسلمة يُضاف إلى الأمن الداخلي في نفسها ، الأمن النابع من صفاء الإيمان والتوحيد ، وصدق التقوى وحسن التوكل على الله . إن هذا الأمن لا تعرفه ولا تجده أيّ امرأة في الغرب أو الشرق إلا إذا آمنت وصدق إيمانها ، وأعانها على ذلك قوامة الزوج وبرّ الأبناء والمجتمع المسلم .
لقد تابع الإسلام المرأة في جميع مراحل حياتها وجميع أحوالها وبيَّن لها مسؤولياتها وحقوقها كما فعل مع الرجل ، ومن خلال ذلك ضبط العلاقة بين المرأة والرجل ونظم حدودها وحقوقها ومسؤولياتها .
ولقد أثار بعضهم شبهات حول نظرة الإسلام للمرأة وحقوقها . ولكنّ الحقيقة أن الشبهات هي في نظرة أولئك إلى المرأة وليست في نظرة الإسلام .
الحقيقة المؤلمة أن حضارة الغرب ، حضارة العَلمانيين ، حين دفعت المرأة إلى ميدان العمل ، ورفعت شعار مساواة المرأة بالرجل ، جرّدت المرأة من لباسها وعفَّتها ، ثم جرّدتها من حقوقها وحملتها ما لا تطيق ، في مُتعَ الجنس المتفلت والفاحشة فخدّرتها ، وأهلكتها حين جعلتها تلهث راكضة وراء لقمة العيش . فما رعت حقوق الزوج ، ولا أوفت بحقوق الأبناء ، وتحطمت الأسرة وتمزقت وشائجها ، وذهب السّكن عن حياة الزوج والزوجة .
إن التاريخ يقدم لنا أمثلة رائعة عن عظمة المرأة في الإسلام وما قدمته من خير في ميادين متعددة في الحياة . ويقدم لنا التاريخ أيضًا صورًا مفزعة عن هوان المرأة وذلها وضياعها خارج الإسلام قديمًا وحديثًا ، حين أصبحت المرأة موضع لهو الرجال وعبثهم تحت شعارات كاذبة كثيرة وزخارف مضللة .
وقد أخذ كثير من أبناء الحضارة الغربية يشعرون بما فقدته المرأة حين تركت البيت ورعايته ومسؤولياته ، وجرت تلهث في ميادين العمل الملوث بالفاحشة . لقد ذكرنا بعضًا مما كتبه غوربا تشوف عن ذلك"البيروسترويكا"، حين أقرّ بان المجتمع ظَلَم المرأة والرجل والأبناء ، حين تَعُد المرأة تجد وقتًا للراحة في بيتها ، ولممارسة حق الأمومة ورعاية أبنائها وزوجها .