فالأنبياء الذين مضوا حين عرض الله جوانب من سيرهم علينا وأوضح بعضًا من معالم رسالاتهم لنا كان ذلك بغرض الاتعاظ والتذكر والتدبر والتثبيت فما هي الدروس التي تمنحنا إياها هذه النبوات السابقة وهذه الرسالات الماضية؟ وما هي الدروس التي يمكن أن نفيدها من تتبع أخبار الماضين من الأمم التي بشرت وأنذرت فمنهم من هدى الله ومنهم من تجبر وعتا وعصى. هنا نقف على رأيين والرأي الأول الذي سأبديه لكم هو الرأي الأشيع والأرجح بين الذين يدرسون هذه الأمور وهو الرأي الذي أرفضه بلا تردد هذا الرأي يقول إن الله تعالى تدرج بالبشرية بواسطة الرسالات التي أنزلت على الأنبياء السابقين، يعني أنهم يعطون للبشرية تصورًا يشبه تصور نشأة الإنسان الفرد فالإنسان الفرد يولد طفلًا ثم يافعًا ثم شابًا ثم كهلًا ثم شيخًا ثم يدركه الأجل فيموت فكذلك الإنسانية في طريقها المتطور والسائر أبدًا إلى الأمام لها ذات المراحل التي تلحظ على الطفل حين تتدرج به أطوار النشأة فالإنسانية في مراحلها الباكرة لم تكن على درجة من النضج العقلي والعاطفي، يسمح لها بتلقي وتفهم القيم العالية والتشريعات المعقدة والعقائد الرفيعة فالرسالة تأتي في زمن ما على قوم مخصوصين لمرحلة معينة فإذا انتهت هذه المرحلة تكون الرسالة قد استنفدت أغراضها وأصبحت غير قادرة على الوفاء باحتياجات الطور الجديد الطور الأعلى والأكثر تقدمًا في حياة البشرة فلهذا يرسل الله تعالى رسالة جديدة بواسطة نبي جديد لكي يتجاوب مع الآمال الأبعد التي وصلت إليها البشرية في مراحلها المتقدمة وهكذا مرًا وجرًا حتى انتهى الأمر إلى أن أرسل الله تعالى بالرسالة الخاتمة محمدًا صلى الله عليه وسلم بعد أن بلغت الإنسانية رشدها وكمالها في ذلك الحين وأصبحت مستعدة لأن تتلقى كلمة الله النهائية والخاتمة لكلامه السابق كله، ربما كان ذلك يدغدغ غرورنا -نحن المسلمين- من حيث أن هذا التفسير والتحليل يعطينا شيئًا من الاستعلاء، الاستعلاء شيئًا يخاطب جانب الغرور في النفس الإنسانية من حيث أننا نمثل قمة النضج الإنساني ولكن الأمر فيما أتصور وفيما أرجح يخالف جملة وتفصيلًا كل هذا الذي أوّله وفصّله معظمُ الدارسين لهذه القضية من بينهم كتاب مسلمون قدماء ومحدثون لهم وزنهم ولهم احترامهم لكننا كما تعلمون حين نكون أمام حقيقة علمية أو تاريخية لا نتردد في الأخذ بها رضي من رضي وسخط من سخط أحب من أحب أو كره من كره وافقت رأي الجمهور أو خالفت رأي الجمهور فالجمهور عندنا هو الحقيقة الناصعة التي لا غبار عليها وسواء التفَّ حولها فرد واحد أو ملايين الأفراد أو لم يستجب لها أحد فذلك لا يقلل بتاتًا من أهمية الحقيقة من حيث هي حقيقة لها وزنها ولها احترامها ويجب أن يأخذ بها الناس.