أول ما نلاحظه على التأويل الذي طرحناه لكم كما عبر عنه أصحابه هو الإهانة غير المقصودة لأجيال مضت بيننا وبينها عشرات الألوف من السنين نحن نعرف من سيرها ومن تتبع أحوالها من خلال الآثاريات التي كشف عنها البحث ومن خلال المدونات التي تسربت إلينا أنها كانت تتمتع بقدر كبير من السمو الخلقي ومن التقدم الفكري ومن النضج التشريعي ولعل أحدًا لا يجهل أن فلاسفة اليونان ومن قبلهم ومن حكماء الهنود والمصريين ممن بيننا وبينهم ستة آلاف سنة أو سبعة آلاف وربما عشرة آلاف سنة من لو عرضنا على أسماعكم بعض إنتاجهم في الفلسفة وفي الأخلاقيات وفي الشعر وفي الأدب والفن بعامة لراعكم أن هذا الكلام قمة من القمم العالية التي تتقاصر دونها همم الكثيرين في هذا الزمان الذي نعطيه سمة التطور وسمة الرقي، أكثر من ذلك نحن حينما نقول هذا وباعتبارنا مسلمين نعتقد أن أبانا الأول هو آدم صلى الله عليه وسلم وأن آدم عليه الصلاة والسلام رسول الله تعالى ونبي، وأن الرسل والأنبياء قمة في الفكر والأخلاق والسلوك، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عن آدم عليه السلام لو وزن عقل آدم بعقل أبنائه جميعًا لرجحهم وزاد عليهم، نحن نتجاهل في الواقع بدائه وبسائط لا يجوز أن تغيب عن البال؛ النبوات السابقة ما هو وصفها، وما هو وضعها في القرآن، ثم من أين جاء الالتباس إلى عقول الدارسين، الذين ظنوا الأمور على النحو الذي شرحناه لكم، حين نمسك بالقرآن يا إخوتي من فاتحته إلى خاتمته ونقرأ أخبار الأنبياء الماضين قبل محمد صلى الله عليه وسلم نقف على حقيقة بسيطة ولكنها واضحة بل صارخة كل نبي أرسله الله تعالى قبل محمد صلى الله عليه وسلم فإنما أرسله بالإسلام وأمرنا لنسلم لله رب العالمين؛ ما جاء نبي فقال أرسلت باليهودية ولا قال أرسلت بالنصرانية ولا قال أرسلت بالإبراهيمية ولا بالمانوية ولا بأي شيء من هذا القبيل وإنما تضافر قولهم جميعًا على تقرير هذه الحقيقة الناصعة والصارخة وهي أنهم أرسلوا بالإسلام فلا دين إلا الإسلام مصداق ذلك أنكم تقرؤون في القرآن: (إن الدين عند الله الإسلام) ثم تذكر الآية الكريمة العلل التي فرقت الأمم الماضية عن هذا الإسلام فتقول:
)إن الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيًا بينهم(.
فالتحاسد الذي ينتج عن مؤثرات شتى نفسية ومجتمعية والذي ينتج عن ضغوط شتى، تأتي من مصادر متعددة هو الذي فرق كلمة الجميع وهو الذي شتت الأمة المجتمعة وهو الذي أعطى لبعض الديانات تسميات وأوصافًا خاصة، وكل ذلك بُعْدٌ عن الحقيقة بسبب البغي والتحاسد والتظالم بين الأمم الماضية لنأخذ لكم مقطعًا معبرًا يذكره الله تعالى في سورة البقرة سأقرأه لكم على طوله (ما عليش) يقول الله تعالى بعد قصص طويل عن مآس كانت من أهل الكتاب، ومواقف محرجة ومزعجة ومحزنة وقفها الكتابيون من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن الدعوة يقول منددًا ومعنفًا وموبخًا:
)ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه(.
أي أضاع حظها من الخير والبر والمعروف (ولقد اصطفيناه في الدنيا) أي اخترناه واختاره الله على علم بقوامه هذه الشخصية وسلامتها ونقاوتها (وإنه في الآخرة لمن الصالحين إذ قال له ربه أسلم) ما قال له تنصر ولا قال له تهود (إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لله رب العالمين) هل انتهى الأمر عند هذا الحد. لا...
تمضي الآيات فتقص ما كان من بعد (ووصَّى بها) -ماذا- بهذه الكلمة التي هي الإسلام - (ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب) - أي ووصى يعقوب أيضًا بنيه - (يا بنيَّ إن الله اصطفى لكم الدين) - اختار لكم الطريق الواضح والمنهج الموصل إلى بر السلامة في الدنيا وإلى رضوان الله في الآخرة- (فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون) لاحظوا التنصيص المتكرر على الإسلام (فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون) ثم يلتفت الخطاب الرباني الكريم إلى الموجودين في زمن محمد صلى الله عليه وسلم، وإلى أسلافهم عبر التاريخ من خلالهم من اليهود والنصارى فيتساءل: (أم كنتم شهداء) -أي موجودين حاضرين (إذ حضر يعقوب الموت) يعقوب بن اسحق بن إبراهيم عليهم السلام جميعًا (أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلاهًا واحدًا -لا ثلاثة- ) إلاهًا واحدًا ونحن له مسلمون تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون(.
بعد هذه الآيات يأتي حجاج:
)قل أتحاجوننا في الله وهو ربنا وربكم ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم ونحن له مخلصون أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هودًا أو نصارى قل أأنتم أعلم أم الله ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله وما الله بغافل عما تعملون(.