فهرس الكتاب

الصفحة 25752 من 27345

هؤلاء الناس الذين كانوا يَدَّعون يهودية ويدَّعون نصرانية -بيَّنَ الله جل وعلا في هذا المقطع- أن جُلَّةَ الأنبياء برءاء منهم، لأن الدين عند الله هو الإسلام فإذًا أول حقيقة نضعها أمام عيوننا ونحن في صدد هذا البحث هي أن الله لم يرسل رسولًا إلا بالإسلام، فما معنى الإسلام؟ من هناك كان المنزلق الذي ذهب منه بعيدًا كثير -بل معظم الكاتبين- الذين تناولوا هذا الموضوع. الإسلام في أصل الوضع اللغوي هو الاستسلام، إعطاء المقادة، الانقياد، الخضوع، فهو رديف العبادة ورديف الدين على تباين في سعة المعنى وضيقه سلبًا وإيجابًا. لا داعي لأن أشرح هذا الموضوع سيكون له؛ حديث في يوم آخر فحين نقول إن أصل الإسلام في الوضع هو الاستسلام فهل يكفي في تحقيق الإسلام أن أقول: (أسلمت له رب العالمين) ؟

ذهب معظم الباحثين وعلى الأخص الإسلاميين منهم إلى أن الرسالة التي كانت تأتي على نبي سابق قبل محمد صلى الله عليه وسلم هي الإسلام في الواقع لكن بهذا المعنى اللغوي، أما الشرائع والأحكام فقد تضيق وقد تتسع وقد تكون وقد لا تكون هذا في الحقيقة خطأ لأننا لو قلنا (أسلمنا لله رب العالمين) فأول سؤال يتوارد إلى ذهن الإنسان: أسلمتَ لماذا؟ وعلى أي أساس؟ هل انتهت القضية عند قولي أشهد أن لا إله إلا الله أم لهذه القضية توابع هل انتهت القضية عند هذا الكلام أم الكلام هذا مبدأ له مضمون وله محتوى وله إفرازات لا بد أن تتمثل في الواقع المعتقدي للإنسان وفي السلوك الشخصي للفرد وفي النظام الذي يحكم الفرد والجماعة جميعًا وفي النظام الذي يهيمن على المجتمع الإنساني كله لا شك أن الحياة التي تأبى الفراغ وترفضه وتقرر لنا أن الإسلام لا يكون إسلامًا حين أقول لا إله إلا الله وأطيع نزواتي وأطيع أهوائي وأطيع غرائزي وأن الإسلام لا يستقيم لي وأنا أشعر بالرغبة فيما بين أيدي الناس وأنا أشعر بالرهبة من الناس لا شك أن الإسلام لا يستقيم أبدًا وأنا أتحاكم فيما يعروني من شؤون إلى أمور لا يرضى عنها الله جل وعلا بل هي تتصادم وتدمر وتخرب ما أراد الله تبارك وتعالى فالمسألة ليست مسالة كلام. وإذا رجعنا إلى وقائع السيرة النبوية نجد أن رجلًا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له يا نبي الله علمني ما أقول لكي أكون مسلمًا قال (قل آمنت بالله وتخليت) آمنت بالله وتخليت؛ أمران يتظافران ويتعاونان على تحقيق قضية الإسلام التي تكررت على ألسنة الأنبياء جميعًا إيمان مطلق بالله ووضع للمقادة بين يدي الله وتخل وترك لكل ما كان الإنسان عليه في الجاهلية من عقائد وطبائع وأخلاق وشرائع وآداب وما أشبه ذلك أي تهيئة النفس وتهيئة المجتمع لكي يدخل عالمًا جديدًا قوامه أنه أوامر تصدر من قبل الله أو من قبل رسوله صلى الله عليه وسلم معزولة تمامًا عن كل ما يسيء إلى استقامة الحياة واستقامة الاعتقاد واستقامة الأخلاق واستقامة التشريع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت