7-لا بد من الجهر بالدعوة بين الناس لتصل إليهم ، وتكون حجة عليهم . ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسوة الواضحة البيّنة ، ولنا بهؤلاء الفتية الأطهار القدوة الحسنة ، فحين سألوا الله القوة أمدّهم بها"وربطنا على قلوبهم"فثبتهم على الحق فقاموا يدعون إليه سبحانه فأعلنوا عقيدة التوحيد خالصة دون لبس ولا خوف".. إذ قاموا فقالوا: ربنا رب السماوات والأرض ، لن ندعوَ من دونه إلهًا ..". فكانوا قدوة للدعاة يأتسونهم .. قالوها ،فخلّدهم الله في كتابه الكريم إلى يوم القيامة .
8-كما أن مقامهم في الكهف أكثر من ثلاثة قرون ، تميل الشمس عنهم حين طلوعها - ولاحِظْ كلمة تزاور الدالة على قدرة الله في حركة مخلوقاته - وانظر كلمة تقرضهم عند غروبها فلا تصيبهم البتة في حركتها بزوغًا وغروبًا وقد قيل: تقرضهم: تنثر عليهم شعاعًا خفيفًا لإصلاح أجسادهم ، وهم في فجوة من الكهف لا يتأذون بقرّ ولا حرّ عيونهم مفتحة ،"و تحسبهم أيقاظًا وهم رقود"يحركهم الله تعالى كي لا تأكل الأرض أجسادهم"ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال"يحرسهم كلبهم في مدخل الباب مادًا قائمتيه كأنه حي متوثب"وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد"... تصوير بديع لهم في رقدتهم الطويلة هذه التي تدل توهم من يراهم أنهم أحياء .. مع إدخال الهيبة في قلوب من اطلع عليهم - إن اطلع - أن يتجاوزهم مبتعدًا عنهم . مقامهم هذا دليل على قدرة الله تعالى في إماتتهم وحفظهم من التلف ، وإخافة من ينظر إليهم ، ثم على بعثهم .. فسبحان الله مالك الملك ، المتصرف في مخلوقاته كما يشاء .
9-الحذر في كل حالات الحياة - حلوها ومرها ، أمنها وخوفها - مطلوب ، فالتخفي والكتمان والتلميح من أنواع الحذر . فماذا فعل الفتيان حين أحياهم الله تعالى ؟ شعروا بالجوع .. فقد استيقظوا بعد ساعات طويلة استغرقت يومًا أو بعض يوم - كما ظنوا - والطعام والشراب وسيلة الحياة . والعدو الذي هربوا منه يطلبهم ويرسل العيون والجند بحثًا عنهم . فينبغي الحذر في التحرك . ماذا يفعلون ؟
-أرسلوا واحدًا فقط يشتري لهم طعامًا فالواحد أقدر على التخفي ولا ينتبه له
أحد . وهروبه أسهل إذا شعرت به عيون العدو وإذا وقع في أيدي الظلمة
فهو فدائي واحد ، ولن تسقط المجموعة كلها .
-وأمروه باللطف في الشراء واللين في الطلب ، وليتكلم المختصر المفيد.
-وليكن تصرفه حكيمًا وحركاته بعيدة عن الريبة لكي لا ينطبق عليه المثل القائل"كاد المريب أن يقول خذوني".
-وليختر أطيب الطعام وأزكاه ، فالطعام الطيب الحلال أنفع للجسم ، وأرفع للروح.
صحيح أن الحذر لا ينجي من القدر لكن على الإنسان أن يأخذ بالأسباب ، ويعد للأمر عدته كي لا يُؤْخذ على غرة ، فالعدو الذي لا يخاف الله تعالى لا يرحم"إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أويعيدوكم في ملتهم"ألم يعلن كبير المجرمين فرعون رغبته في قتل النبي موسى عليه السلام ؟"ذروني أقتلْ موسى .."مدعيًا أنه بذلك يقضي على الفتنة ويحفظ الناس من الفساد؟!"إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد"؟َ ! . وقد دمغهم الله تعالى بالعدوان وكره المؤمنين ونقض العهود"لا يرقبون في مؤمن إلاًّ ولا ذمة ، وأولئك هم المعتدون"وإذا قتل المسلم في سبيل الله فقد نال الشهادة ، أما إذا كان إيمانه ضعيفًا فلم يحتمل العذاب وكفر بدينه لينجو منه فقد خاب وخسر".. أو يعيدوكم في ملتهم ، ولن تفلحوا إذًا أبدًا".
10-لا ينبغي أن نمر على قصص القرآن مرورًا سريعًا إنما يجب التفكر والتدبّر للعظة والعبرة واستخلاص الدروس، فتكون نبراسًا نسير على هديه ونستضيء بنوره ، وإلاّ كنا كمثل الحمار يحمل أسفارًا . قال المفسرون: إن الملك الذي هرب الفتيان من ظلمه وبطشه مات ، ومات الكفر معه . وانتشر الإسلام في البلاد ، واختلف المؤمنون في طريقة البعث والنشور . فمن قائل تحشر الأرواح فقط ، ومن قائل يحشر الناس بأرواحهم وأجسادهم . فكان عثورهم على الفتية دليلًا على حشر الناس بأجسادهم وأرواحهم كما كانوا في الدنيا ، فالله قادر على كل شيء . هذا من ناحية . ومن ناحية أخرى كان بعث هؤلاء الفتية دليلًا باهرًا على أن يوم القيامة حقيقة لا شك فيها"وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق ، وأن الساعة لا ريب فيها".
11-المراء في أمر لا فائدة فيه لا حاجة إليه . وقتك أيها المسلم ثمين ، وحديثك موزون ، ولن يزيدك علماُ وفهمًا أن تخوض فيما لاطائل له ، .. فماذا يزيدك لو عرفت عدد الفتية ؟ أو أسماءهم ، أو أعمارهم ؟ أو أعمالهم؟ .. الفائدة المرجوة تجدها في أفعالهم وثباتهم على المبدأ وفرارهم بدينهم يحافظون عليه . وحذرهم في تصرفاتهم ، وأخوّتهم في الله تعالى ...