فهرس الكتاب

الصفحة 6910 من 27345

من حقائق الدعوة الثابتة التي لا تتغيير فيها و لا تبديل: بيان الحق و الباطل، و بيان الطريق إلى الله، و بيان الدين عند الله، و بيان أوصاف الذين يحبهم الله، و بيان الوظيفة و الغاية، و بيان الحلال و الحرام، و المعروف و المنكر، و بيان ما يقرره الإسلام، و ما يبطله في حياة الأفراد و الأمة السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية و الأخلاقية و السلوكية و الإيمانية، و بيان أوصاف الكافرين و الظالمين و المعتدين.

و الداعية في هذه الموضوعات و غيرها ليس مجتهدًا و لا مبتدعًا، و إنما هو ملتزم بما ورد منها في الكتاب و السنة، فواجبه هو أن يتدبرهما و يستخرج منهما بيان هذه الحقائق و تحديدها و تفصيلها ( و كذلك نفصِّل الآيات و لتستبينَ سبيلُ المجرمين) سورة الأنعام، الآية (55) ( [7] ) .

إن المضمون (توقيفي) لا تصرف فيه، أما المنهج فإنه اجتهادي، و لذا تتعدد مناهج الناس في تبليغ الدعوة، كلهم يسيرون على أسس و مبادئ راسخة تحدد ملامح تلك المناهج، حتى تصل إلى الهدف جميعًا فلا تزيغ أو تنحرف.

فإن كانت المناهج اجتهادية؛ فإن ذلك يقتضي أن تكون عرضة للخطأ، و لذا فالتقويم مطلوب، و المناصحة مقبولة، و يمكن أن نقول إنَّ نفس الحديث عن المنهج يعد مظهرًا من مظاهر النضج في التفكير و تجاوز الوقوف عند المسائل الفرعية و تكرارها و الجدل فيها على حساب الأصول ( [8] ) .

و من أهمية الملاحظات التي يتم إبداؤها على المناهج من خلال تطبيقها في الواقع، و هذه الملاحظات قد تختلف فيها وجهات النظر، و لا إشكال في ذلك حيث إن إبداء الملاحظة نفسه يعد أمرًا اجتهاديًا قد تختلف التقديرات حوله.

كما أن إبداء الملاحظات لا يقدح في أصل المنهج بالضرورة، لأن المناهج قد لا تكون سليمة و لكن الأخطاء تأتي في تطبيقها أو تنزيلها على الواقع، و لذا فإنه لابد من اتساع الفهم، و حسن القبول للملاحظات بدءًا ثم الاستفادة من المفيد الموضوعي منها، و مناقشة ما يحتاج إلى مناقشة بما يحقق الفائدة لمن أبدى الملاحظة و لغيره.

المطلب الثاني: منهج الخطاب الدعوي في السودان:

الواقع و المطلوب ( [9] )

إن واقع الخطاب الدعوي الحالي في السودان يشير إلى مجموعة من الملاحظات المتعلقة بالمنهج، و نذكر من أهمها:

إغفال المرجعية الشرعية:

ففي كثير من الأحيان ينطلق الخطاب الدعوي - بداية و ردًّا- من منطلقات بعيدة كل البعد عن أصول الشرع، مغفلًا فيها أن الدعوة إن كانت لله فينبغي أن تكون وفق ما أراد الله، و أن تقوم على الاتفاق حول التسليم لما قضى الله و رسوله، و عدم الانسياق وراء من يريدون طرح القضايا الشرعية المحكم حكمها لتكون مثار نقاش، بل و يتكلم فيها كل من هب و دبَّ!!

ضعف المنهج العلمي في تناول القضايا الدعوية و التركيز على الجانب الوعظي:

و لا شك أن كثيرًا من الدراسات و البحوث العلمية يمكن الاستفادة منها في تدعيم الأدلة لإقناع المخاطبين،. و لكن يلاحظ أن من يهتمون بالمنهج العلمي في الخطاب الدعوي محدودون جدًا. و ينبغي بيان محاسن هذا المنهج و ثمراته في الوصول إلى الأهداف.

التطرف في منهج الخطاب:

بحيث يلاحظ التشنج الدائم لدى بعض الدعاة، و حملهم على كل شيئ جملة و تفصيلًا لمجرد أن أحدهم له موقف من المجموعة التي تنفذ ذلك العمل!. و العكس صحيح؛ ربما تجد خطابًا ليِّنًا تجاه قضية ما يغلب عليه الثناء و الإطراء، و تفادي النصح و التقويم.

و الذي نحتاجه هو الاعتدال و التوازن الذي يؤدي إلى إيجاد منهج نافع صادق يعبَّر عن الحقيقة بتجرد، و يطمئن الناس و هم يستمعون إلى أصحابه.

اضطراب المنهج:

قد نلاحظ أن الخطاب الدعوي عند كثير من المتحمسين للدعوة خطابٌ لا يمكن توقع أو حساب طريقه أو مسلكه، فهو خطاب مضطرب، مرَّة يبشر و يتفاءل بشدة، و فجأة ينفِّر و يسخط و يتشاءم، مرَّة يتحمس و يقوى، و أخرى يضعف و يحبط و ينهزم!! و مرات كثيرة يحتار بماذا ينطق؟.

إن مرد ذلك كله إلى عدم وضوح المنهج، ذلك المنهج النبوي المنضبط، الذي يجعل أصحابه غير محتارين لأنهم لم يفاجأوا بالأحداث، و يعرفون طبيعة طريق الدعوة.

ارتباط المنهج بالزعامات و الولاءات:

بحيث أن اختيار الزعماء و القادة أو الحزب يكون هو المنهج، و مواقفهم هي التي يقتدى بها و يقاس عليها الحق و الباطل، و المصيب و المخطئ، فالحق يعرف بالرجال و الشخصيات و ليس العكس!!.

و موقف الجماعة أو الحزب هي التي تحدد المشروعية من غيرها مهما كان قربها أو بعدها من الأحكام الشرعيةالواضحة.

و المنهج الصواب في الخطاب الدعوي عند هؤلاء هو ما سار عليه الأسلاف من الدعاة فقط، و كل من يريد الابتكار و التجديد فهو متهم مرفوض. فالأنموذج لا يتغير و لا تراعى فيه ظروف ونوعية المخاطبين. و نجد هذا الأمر عند كثير من المجموعات و الفئات التقليدية.

اعتبار واقع المجتمع معيارًا للمنهج:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت