فهرس الكتاب

الصفحة 2459 من 27345

وانتهى الأمر وعاد النبي صلى الله عليه وسلم مستعبرًا يظن أن عمه قد بدا له فيه بداء وأنه قد ضعف عن نصرته وأنه خَاذِله فاستعبر لا لأنه خاف ولكن لأن النبي صلى الله عليه وسلم في تلك اللحظة يكاد يفقد الثقة في العون الأرضي عمومًا لتبقى له ثقته بالله تبارك وتعالى، عندها ناداه عمه وقال له:

انطلق يا ابن أخي فقل ما أحببت فوالله لا أسلمك لشيء أبدًا.

مضى النبي صلى الله عليه وسلم في طريق الدعوة، فكروا بهذه الحادثة حينما نخطط لكي ننتقل من أرض نشعر أن كل ما فيها يعادينا، أن كل ما فيها يحاربنا أن كل ما فيها يدفعنا في صدورنا، حينما نفكر بأن ننتقل إلى أرض أخرى أليست الكياسة والعقل والروية وحسن التصرف يقتضي جميعًا منا أن نلاين طالما نحن نريد أن ننتقل من هذه الدار فلماذا نزيد البلاء على أنفسنا، لو كان النبي صلى الله عليه وسلم يفكر بأن يجعل مستقره في الحبشة لكان موقفه مع قومه أكثر ليونة مما كان عليه مع أننا نرى أنه وقف موقفًا أشد صلابة من الصخر.. هذا واحد.

الشيء الثاني أن البلاء تصاعدت وتيرته -والمسلمون في الحبشة- تصاعدت وتيرته بصورة مخيفة.. في السنة الخامسة في رجب قلنا هاجر أول فوج من المسلمين إلى الحبشة في مطلع المحرم من السنة السابعة للمبعث، قررت قريش المقاطعة العامة وأن تطبقها على بني هاشم مسلمهم وكافرهم على سواء وكان ما يعرف في التاريخ الإسلامي -بحصار الشِّعْب- حصر المسلمون والكافرون من بني هاشم أيضًا في شِعْب أبي طالب في مطلع المحرم من السنة السابعة، كم مضى من السنة الخامسة إلى الحصار؟ سنتان لم يحصل خلالها أي اتصال بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين المسلمين الموجودين في الحبشة إذا اعتبرناهم طليعة بعث يفتش عن مستقر لهذه الدعوة ولم يجر أي اتصال بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين نجاشي الحبشة وملك الحبشة بصورة باتة، الحصار كان حادثًا رهيبًا سوف أشرحه إذا مد الله في عمرنا وأشرح أرجاعه بالنسبة للمسلمين وبالنسبة للمشركين على سواء ولكني أكتفي بأن أقول إن الحصار استمر من مطلع المحرم في السنة السابعة من الهجرة إلى السنة العاشرة للهجرة سنتان ونصف وبعضهم يمتد به إلى ثلاث سنوات لاقى المسلمون خلالهما أهوالًا لا تطاق يحدثنا سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه في حديث معبر عن الحالة العامة التي كان يقاسي ويعاني منها المسلمون في تلك الأيام يقول:

إن الجهد والجوع بلغ من المسلمين مبلغًا لا يتصوره العقل، إنْ كان الرجل ليخرج من الشِّعْب يمر فلا يتكلم معه أحد لا يبيعه أحد لا يشتري منه أحد، والمسلمون يرجعون في المساء إلى الشِّعْب لا يسمعون إلا بكاء الصبيان وتضور الرجال والنساء من الجوع قال: خرجت ذات يوم أنا وصاحب لي في الليل لأبول قال فلما أخذت أبول سمعت تحت بولي خشخشة فمددت يدي في الظلام فإذا قطعة جلد يابسة قال فأخذتها وغسلتها وحرقتها واستففتها أي التهمتها فتقويت بها ثلاثة أيام.

يبلغ الجهد والجوع من المسلمين لشدة الحصار هذه الدرجة التي تدفع المسلمين إلى أن يأكلوا ما لا يؤكل لو كان لنا أمل في أن ننتقل إلى دار أخرى فلماذا كل هذا العناء؟ ولماذا كل هذا النصب؟ مع ذلك سوف ننظر أيضًا في السنة العاشرة فُكَّ حصار الشِّعْب وخرج النبي صلى الله عليه وسلم وخرج المسلمون في السنة العاشرة بعد ارتفاع الحصار كانت رحلة الطائف والناس يعرفونها ذهب النبي صلى الله عليه وسلم ماشيًا على قدميه يقطع في الذهاب والإياب ما لا يقل عن مئة وأربعين كيلو مترًا في تلك الأيام الشديدة القيظ لكي يصل إلى بني ثقيف في مستقرهم في الطائف، لماذا ذهب يرجو أن يجد عند قبيلة ثقيف رغبة في إيواء محمد صلى الله عليه وسلم وفي إيواء المسلمين معه وأن يقبلوا هذه الدعوة لتستقر في الطائف كي تكون القاعدة وتكون المنطلق للإسلام للدين الجديد لو أننا كنا نفكر بأن نجعل الحبشة هي قاعدة الانطلاق هل يعقل أن نمد يدنا هنا وهنا نضع أتباعنا في الحبشة يفتشون عن موطئ قدم ثم نذهب إلى الطائف نحاول أن نقنعهم بأن يقبلونا ويقبلوا ديننا معنا؟ هذا تصرف لا يعقل أيضًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت